ارشيف من : 2005-2008

بين انتخابات المتن والخليفة والغلام وسقوط الجميل : ما علاقة انتصار التيار بتأخير عودة المبادرات؟

بين انتخابات المتن والخليفة والغلام وسقوط الجميل : ما علاقة انتصار التيار بتأخير عودة المبادرات؟

قبل أيام من حصول معركة المتن الشمالي التي فاز فيها مرشح التيار الوطني الحر كميل الخوري على الرئيس الأعلى لحزب الكتائب الرئيس السابق أمين الجميل، وقبل وصول الوساطات إلى طريق مسدود خرج العماد ميشال عون في أحد الأيام إلى البهو الخارجي لمنزله حيث كان يوجد بعض الصحافيين، وروى حادثة تاريخية تختصر سبب وصول الأمور إلى المعركة والمواجهة بينه وبين الجميل، والنتيجة التي انتهت اليها. فقال: "كان أحد الخلفاء ماراً على حصانه في أحد الأزقة، فبادر صبي كان موجوداً إلى القيام بحركة بهلوانية في الهواء وجاء جالساً خلف الخليفة على حصانه، فما كان من الأخير إلا أن أكرمه وأعطاه مبلغاً من المال وانصرف".
تبسّم العماد عون وأكمل الرواية: "بعد ذلك قدم أحد الفرسان على حصانه ومرّ من المكان نفسه، فما كان إلا أن قام بالحركة ذاتها، فاستل الفارس سيفه وقتل الغلام قبل أن يصل اليه".
هنا بادر أحد الأشخاص ممن شهد الحادثتين الى القول: "رحمة الخليفة قتلت الغلام". وذلك لأن رحمته للغلام وعدم تأنيبه على ما قام به دفعت الأخير لتكرارها مع غيره، فكان ما كان.
العماد عون يشبه ما حصل بينه وبين الجميل بهذه الحادثة، حيث ان الأخير تمادى في مهاجمته منذ أشهر من دون أن يبادر الى الرد عليه، وتعاطى معه برحمة، لكن الأخير فهم الأمر خطأ وتمادى وترشح للانتخابات من باب التحدي، ظناً منه أن عون لن يواجهه فيها.. لكن عون كان بانتظاره وكانت ضربة الفارس.
سقط "فخامة رئيس الجمهورية السابق الرئيس الأعلى لحزب الكتائب الشيخ أمين الجميل أمام الطبيب والناشط المغمور "في التيار الوطني الحر ابن بلدة قرنة الحمرا كميل الخوري في معركة الانتخابات الفرعية التي جرت الأحد الماضي في المتن الشمالي، وهذا السقوط المدوي ستكون له تداعياته المستقبلية على المصير السياسي للجميل وعلى مجمل الوضع العام في البلاد على أعتاب الاستحقاق الرئاسي الذي تبدأ مهلته الدستورية في الرابع والعشرين من أيلول المقبل.
الأوساط السياسية التي تابعت تداعيات هذه المعركة الانتخابية تلفت الى العديد من النتائج التي أفرزتها منها:
ـ إن هذا الانتصار الكبير لمرشح التيار أصاب السياسة الأميركية في لبنان في الصميم، لأنه شكل ضربة لمساعيها الهادفة لتحجيم رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون على الساحة المسيحية لمصلحة الفريق المسيحي الموالي للسلطة، وهو ما لمح اليه النائب عون في مؤتمره الصحافي الذي عقده بعد اجتماع تكتل التغيير والإصلاح يوم الاثنين الماضي بحضور النائب الجديد الذي انضم الى الكتلة، حيث أشار الى أن المواجهة كانت "مع الإجراءات الدولية التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش ضد أي قوة سياسية تقف في مواجهة حكومة السنيورة"، والتي كان اعتبرها بوش ضمن مقتضيات الأمن القومي الأميركي.
وقد عكس تقارب الأصوات بين الرابح والخاسر حجم الهجمة  الشرسة التي كانت تهدف الى إسقاط مرشح التيار، وبالتالي سحب المرجعية المسيحية من العماد عون. ثم ان التيار الوطني الحر خاض تحضيرات معركة المتن الشمالي ابتداءً من يوم الجمعة بعدما كانت الوساطات وصلت الى طريق مسدود بعد رفض الجميل المبادرة الأخيرة لبكركي بتأجيل الاستحقاق، وبذلك كانت المهلة أمام التيار ضيقة، كما أنه واجه حملة سياسية منظمة ضده، وهو ما ظهر بشكل سافر نهار الانتخابات.
وهنا تتحدث مصادر التيار عن ثلاثة أساليب مرفوضة اعتمدها مرشح فريق السلطة الرئيس السابق أمين الجميل وفريق 14 شباط في مواجهة مرشح التيار:
أولاً: استخدام البعد الطائفي من خلال الاستحضار الدائم لموضوع النائب السابق بيار الجميل، وزيارة ضريحه يوم الانتخابات من قبل المرشح الجميل لغايات انتخابية، للإيحاء بأن التيار الوطني الحر يخوض المعركة ضد الأموات.
ثانياً: استخدام المال السياسي لشراء ذمم الناخبين، وهو ما حصل على نطاق واسع. وفي هذا السياق تحدثت مصادر متابعة عن مبلغ ضخم في انتخابات فرعية وصل الى خمسة عشر مليون دولار، جزء منه دفعته إحدى الدول العربية!
ثالثاً: ممارسة الترهيب والتخويف على الناخبين، وهو ما ظهر من خلال رفض عشرين في المئة من الذين أدلوا بأصواتهم الإفصاح عن المرشح الذي اقترعوا له.
وكذلك اصطفاف بكركي وما لها من نفوذ رعوي الى جانب المرشح الجميل.
ويضاف الى هذه العوامل أصوات المجنسين الذين صبوا أصواتهم لمصلحة الجميل في جديدة المتن والبوشرية، حيث استقدمهم تيار المستقبل بحافلات من العديد من المناطق في البقاع، وخصوصاً عرب الفاعور الذين أعلنوا صراحة أنهم انتخبوا الجميل.
هذه العوامل وغيرها جعلت فارق الأصوات يتقلص، لكن ذلك لم يمنع من ظهور الهزيمة جلية على الرئيس السابق الجميل، وهو ما انعكس عليه حالة من الغضب أفرزت تصريحات عنصرية تمثلت بالهجوم العنيف على الطائفة الأرمنية وحزب الطاشناق للتشكيك في لبنانيتهم ومسيحيتهم بعد أن اقترعوا لمصلحة مرشح التيار الوطني الحر في برج حمود بنسبة تسعين في المئة.
لم تنجح محاولة الجميل وفريق السلطة في إخفاء الهزيمة المدوية برغم الحملة الاعلامية السياسية التي قاموا بها بعد الانتخابات، ومنها تضليل الرأي العام عبر تجزئة أصوات المتنيين بين ماروني وغير ماروني ومسيحي ومسلم، لأنه وفق هذا المنطق يجب أن يستقيل معظم النواب المسيحيين في فريق السلطة، لأنهم فازوا في العام ألفين وخمسة بأصوات السنة في الشمال وبأصوات الشيعة في دائرتي بعبدا عاليه والبقاع الغربي.
كذلك فإنه بالحديث عن نسبة الأصوات الموارنة يبقى التيار الوطني الحر هو الأول في مواجهة قوى عديدة مارونية من الكتائب الى القوات اللبنانية والكتلة الوطنية والأحرار وغيرهم من موارنة السلطة الذين احتشدوا ضده في انتخابات المتن.
المصادر المتابعة تؤكد أن نتائج انتخابات المتن عززت مرجعية العماد عون على الساحة المسيحية، وهو ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار لدى مقاربة الاستحقاق الرئاسي الذي بات على الأبواب. كذلك يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار "انتصار المقاطعة" للانتخابات الفرعية في بيروت التي بلغت اثنين وثمانين في المئة مقابل مشاركة هزيلة وصلت الى ثمانية عشر في المئة فقط، برغم حملة التحريض المذهبي التي تولاها تيار المستقبل لدفع الناخبين السنة الى الإدلاء بأصواتهم في هذه الانتخابات.
على أي حال فإن انتهاء الانتخابات الفرعية والنتائج التي أفرزتها أعادت الى الواجهة الاستعدادات والتحضيرات الواسعة للاستحقاق الرئاسي الذي بات على الأبواب. وفي هذا السياق جاء التحرك المستجد للسفير السعودي في لبنان عبد العزيز خوجة وزيارته الى كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة. كذلك يستعد الرئيس بري لإطلاق تحرك سياسي يتعلق بالتحضيرات للاستحقاق الرئاسي ابتداءً من الأسبوع المقبل، لكن برغم هذا الحراك البطيء فإن ما توقف عنده المراقبون هو استمرار تجميد المبادرتين الفرنسية والعربية اللتين يسوق لهما وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، حيث جرى تسريب أجواء عن تأجيل عودتهما الى بيروت وهي التي كانت مرتقبة بعد الانتخابات مباشرة، الى نهاية الشهر الجاري، وربما الى الشهر المقبل. وهنا تتساءل الأوساط عما إذا كان هناك من رابط بين نتائج الانتخابات وفوز مرشح التيار وتأجيل المبادرات مجدداً، برغم أن كوشنير وموسى كانا متلهفين للعودة بعد الانتخابات مباشرة! وهل كان أصحاب المبادرات يتوقعون فوز فريق السلطة وفوجئوا بفوز التيار الوطني الحر! بكل الأحوال الاستحقاق الرئاسي بات يداهم الجميع، فإما التوافق على حكومة وحدة وطنية قبله تمهد له وتحمي البلاد من الفراغ، وإلا فالمجهول.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد 1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007

2007-08-10