ارشيف من : 2005-2008

اللبنانيون يصوّتون ولا ينتخبون..

اللبنانيون يصوّتون ولا ينتخبون..

د. عصام نعمان

"ملأ" بعض اللبنانيين يوم الأحد الماضي مقعدين في مجلس النواب كانا شَغَرا نتيجة اغتيال شاغليها الأصليين.
أقول "ملأ" ولا أقول "انتخب" لأن اللبنانيين لا ينتخبون، بل يصوّتون بالمعنى الحرفي للكلمة، أي يصدرون أصواتاً لها معنى سياسي في مناسبة فولكلورية اسمهـا "انتخابات"، فينجم عن تلك العملية الصوتية المقترنة بورقة اقتراع "ملء" مقعد نيابي شاغر او أكثر.
السلطات (الأصح قراءتها بفتح السين واللام) اللبنانية لم تتوصل بعد الى كشف قَتَلَة النائبين بيار الجميل ووليد عيدو، ولا قَتَلَة غيرهما من النواب والزعماء وقادة الرأي.. ولأن سيف الاغتيال ما زال مصلتا فوق رؤوس الجميع، فقد آثر عشرات من النواب مغادرة البلد والسكن (الأصح السكون) في الخارج الى ان يحين موعد "انتخاب" رئيس جمهورية جديد في الخريف. انهم يدّخرون حياتهم الى ان يحين ذلك الموعد الجلل فيرفعون إلى سدة الرئاسة رجلا، وربما امرأة، يعتقدون انه سيغيّر مجرى الأحداث في لبنان والمنطقة.
السياسة في لبنان أضحت والحال هذه مهنة محفوفة بالخطر.. فالنواب كما المرشحون مهددون بالموت، وليس ثمة من يستطيع ان يردّ عنهم سيف الاغتيال. لذا يمكن القول إن الترشّح للنيابة (وممارسة السياسة) بات، بمعنى من المعاني، عملية استشهادية. بعبارة أخرى المرشحون شهداء أحياء حتى إشعار آخر.
هل تستحق النيابة أهمية ترتقي الى مستوى التضحية بالذات من أجلها؟ 
نعم، يجيب المرشحون ومن يرشحونهم.. فلبنان أضحى قضية عالمية وعلى الجدول اليومي لمجلس الأمن الدولي. لذا فإن النيابة والوزارة وكل المناصب العليا في بلد الطوائف والوظائف والمصائف والمصارف أصبحت شرفات لأصحاب  الوجاهات يطلّ منها هؤلاء على العالم كله، لا سيما على أصحاب القرار. هل من سعادة تفوق هذه السعادة الغامرة؟
الأمر فعلا خطير، ولا يظنن احد ان في ما يقوله هؤلاء المرشحون مبالغة او مزاحاً ثقيلاً.. فقد قرر جورج بوش، على ما يبدو، ان يُبقي المشهد اللبناني (والفلسطيني) على ما هو عليه الى ان يتقدم قائد قواته في العراق الجنرال بترايوس وسفيره في بغداد ريان كروكر بتقريرهما الى الكونغرس منتصفَ شهر أيلول المقبل.. في ضوئه سيقرر الرئيس الأميركي ماذا سيفعل في المنطقة. من هنا تنبع أهمية النيابة والوزارة في لبنان.. إنهما أدوات تقرير وتنفيذ يتوقف على أدائهما مصير لبنان، وربما الأمن والسلم الدوليين!
وجهة النظر هذه (ولا أقول "الموقف هذا"، لأن معظم الأمور في لبنان هي في نهاية المطاف مجرد وجهة نظر)، يقابلها موقفٌ (لا وجهة نظر) جدي وصارم، مفاده ان مقاومة العدو، "إسرائيل" وأميركا، تكون أجدى بالسلاح من معارضتها بالسياسة على الطريقة الفولكلورية لمتزعمي الطوائف اللبنانية. ألم يصبح للسياسة الطائفية في لبنان دور إضافي هو مقاومة "حزب" المقاومة؟
هذا الجانب الجدي من الصراع سرعان ما ترافق  مع طرائف لم يمرّ عليها الزمن.. فقد احتدم التنافس أخيراً على احد المقعدين النيابيين الشاغرين بين أطراف كانت متحالفة احياناً ومتنافسة احياناً أخرى، اذ ترشح لملء المقعد الشاغر في دائرة المتن الشمالي رئيس سابق للجمهورية كان أصبح نائبا في سبعينيات القرن الماضي بالوراثة عن خاله، وكان رجلا عالما ومخططاً تنموياً بارزاً، ثم أصبح رئيسا للجمهورية في منتصف الثمانينيات بالوراثة عن أخيه الذي اغتيل بعد انتخابه وقبل تسلّمه مقاليد الرئاسة، الى ان ترشح يوم الأحد الماضي محاولاً ان يصبح نائبا بالوراثة أيضاً عن ابنه الوزير الشاب الواعد الذي اغتيل في وضح النهار وعلى قارعة الطريق.
 في وجه الرئيس السابق والمرشح اللاحق ترشّح طبيب غير معروف سياسيا، إلا انه ينتمي الى تيار سياسي بارز يتزعمه قائد سابق للجيش كان الرئيس السابق والمرشح اللاحق قد عينّه قبل ساعة من انتهاء ولايته العام 1989، رئيسا لحكومةٍ انتقالية كانت الغاية من تأليفها ان تتولى، بحسب الدستور، صلاحيات رئيس الجمهورية التي لم يتمكّن مجلس النواب آنذاك من انتخاب خلف له.
ما ان بدأ السجال بين المرشحين ومن يقف وراءهما حتى تكشّف المشهد عن حقائق وطرائف لافتة. فقد تبيّن ان الرئيس السابق والمرشح اللاحق كان على وشك مغادرة قصر الرئاسة، وربما مغادرة البلاد، بعدما سيطر الثوار التابعون لأحد زعماء المعارضة آنذاك وأحد أبرز زعماء الموالاة اليوم، على القرى المجاورة لقصر الرئاسة. كما تبيّن ان قائد الجيش السابق الذي دعم المرشح المنافس للرئيس السابق والمرشح اللاحق كان آنذاك قائداً للجبهة المجاورة لمحيط قصر الرئاسة، وأنه منع الرئيس من المغادرة بأن تحمّل مسؤولية صد الثوار المهاجمين وردّهم على أعقابهم بنجاح.
ما ان جرى كشف هذه الحقيقة حتى انبرى الرئيس السابق والمرشح اللاحق وحلفاؤه الى تكذيبها باستدراج شهادات شهود من أركان عهده، بينهم القائد الأسبق للجيش وبعض الحاشية. في المقابل انبرى شهود آخرون بينهم مدير عام رئاسة الجمهورية آنذاك، الى تأييد رواية قائد الجيش السابق، مؤكداً أن الرئيس السابق والمرشح  اللاحق كان عيّنه آنذاك رئيساً للحكومة الانتقالية مكافأةً له على بلائه في ميدان المواجهة.
أطرف من هذا كله المباراة التي جرت بين المتساجلين في توصيف علاقتهم بسوريا آنذاك وفي الوقت الحاضر.. فالرئيس السابق والمرشح اللاحق قال انه كان على خصام مع دمشق في آخر أيام ولايته، وإنه رفض مرشحها لخلافته، وأوحى بأن قائد الجيش ورئيس الحكومة الانتقالية السابق الذي دعم مرشحاً ينافسه على مقعد ابنه بات حليفا للقوى المتحالفة مع سوريا والمتهمة جزافاً بقتل ابنه المغدور. في المقابل قام قائد الجيش السابق ورئيس التيار السياسي البارز بإعادة بث صور تلفزيونية على فضائيته الجديدة تكشف لقاءات حميمة بين الرئيس السابق والمرشح اللاحق والرئيس الراحل حافظ الأسد، يتخللها عناق وقبلات وترافقها شهادات واتهامات حول دور الرئيس السابق في إعاقة تقدم الميليشيات التي كانت تحاصر مخيم تل الزعتر الفلسطيني.
كل هذا السجال وحزب المقاومة وحلفاؤه "يتفرجون".. لم يتدخلوا في معركة دائرة المتن الشمالي ولم يرشحوا أحداً بصورة رسمية لملء المقعد الشاغر في دائرة بيروت الثانية. صحيح أنهم يعتقدون ان للسياسة والسياسيين في لبنان دوراً في ما يعتزم بوش تقريره وتنفيذه في الخريف القادم، لكنهم يؤكدون ان أهم من نتائج صناديق الاقتراع الطائفي والمذهبي في المتن الشمالي وبيروت هو ما يمكن ان يحدث في الميدان، في جنوب لبنان وفي وادي البقاع الجنوبي.. ذلك أن "إسرائيل" تُخطط للثأر من دحرها قبل سنة بالهجوم مجدداً على لبنان وسوريا معاً، بالتنسيق مع أميركا، وربما بالتعاون مع رديف محلي يعتقد ـ شأن أنور السادات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ـ ان الأوراق كلها باتت في يد العم سام. غير ان صحيفة "نيويورك تايمز" رأت في نتائج انتخابات  المتن الشمالي، حيث فاز مرشح المعارضة المناوئة لأميركا، "تقويضاً لأحلام بوش في لبنان".
أحلام بوش! لعلها طرائف لم يمر عليها الزمن.. بعد.
الانتقاد/ العدد 1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007

2007-08-10