ارشيف من : 2005-2008

فريق السلطة: هل يستخلص الدروس الصحيحة، أم يبقى أسير أضاليله؟

فريق السلطة: هل يستخلص الدروس الصحيحة، أم يبقى أسير أضاليله؟

كتب مصطفى الحاج علي
وضعت معركة الانتخابات الفرعية، وتحديداً في المتن، أوزارها، من دون أن تنتهي تداعيات نتائجها، ولا سيما أن تكبيراً مفتعلاً، وتحويراً مقصوداً، جرى لطبيعتها، خصوصاً من قبل فريق السلطة.
ثمة سؤال فرض نفسه قبل إجراء هذه الانتخابات العميقة الالتباس في دستوريتها، ويتعلق بذاك الإصرار الذي يقارب حد العناد لدى فريق السلطة على إجراء هذه الانتخابات.
حينذاك حاول فريق السلطة تبرير إصراره بأن إجراء الانتخابات هو الرد الموضوعي على عمليات الاغتيال التي طالت عدداً من نوابه حتى الآن، الرد بطبيعته كان اتهاماً سياسياً لجهة ما بأنها تقف وراء الاغتيالات بقصد ضرب أكثرية فريق السلطة في مجلس النواب، وذاك في سياق ملاقاة الاستحقاق الرئاسي.
كانت هذه هي المرافعة السياسية ـ المنطقية لفريق السلطة لتبرير إجراء الانتخابات الفرعية، وكان يمكن لهذه المرافعة أن تبقى منسقة من الناحية المنطقية المجردة، لا من ناحية كونها صادقة ومطابقة للواقع، لولا التطورات اللاحقة التي صاحبت التحضير للانتخابات وما رافقها من مواقف ومبادرات، وما انتهت اليه من نتائج وقراءات.
في البداية، كان واضحاً للجميع أن المعارضة عموماً اعتبرت نفسها غير معنية بهذه الانتخابات انسجاماً مع موقفها من واقع الحكومة المبتورة للرئيس السنيورة، حيث تعتبرها غير شرعية، وهي اشترطت أن تحظى هذه الانتخابات بإمضاء رئيس الجمهورية، لتكون شرعية، وهذا ما لم يحصل.
هذا الموقف العام للمعارضة انعكس على موقف كل من العماد عون الذي بدوره لم يكن بوارد الانخراط في خوض هذه الانتخابات، وكان المرجح عنده تركها لآل الجميل، كما انعكس الأمر على موقف أطراف المعارضة في بيروت حيث تعاطت معها ببرودة وحيادية تامة.
إلا أن المفاجأة جاءت من قبل فريق السلطة، وتحديداً من النائب سعد الحريري في بيروت، والرئيس الأسبق أمين الجميل في المتن. الأول، اعتمد خطاباً تجييشياً ومذهبياً ومناطقياً لم يتورع فيه مجدداً عن توظيف الدم توظيفاً سياسياً، ولم يتورع أيضاً عن زج المقامات الدينية فيه، ومن يستمع إلى هذا الخطاب من الخارج يظن وكأن هذه الانتخابات الفرعية والخاصة هي من سيقرر مصير لبنان في القابل من الأيام، بل هذا ما قيل صراحة على لسان النائب الحريري.
 والأمر، لا يختلف كثيراً عند الجميل وحلفائه الذين لم يتركوا أداة تجييشية للعواطف والعصبيات الا واستخدموها، لقد حمل الجميل دم ابنه بيار، وإرثه السياسي، وألقابه بين يديه، ليدور بها على الناخبين مستدراً عواطفهم ومستنجداً بمشاعرهم من جهة، كما رفع عناوين سياسية في وجه عون لا تقل حدة واستثارة وتلاعباً في عقول الناس ومخاوفهم، فتارة يصور المعركة ضد سوريا وضد من يعمل على إعادتها إلى لبنان، وتارة ضد ايران، وتارة، وهنا بيت القصيد، ضد ما أسماه "الحلف غير الطبيعي" الذي يقيمه عون مع حزب الله، وكأن حزب الله حزب جاء من المريخ، وليس جزءاً أساسياً ومكوناً للنسيج  اللبناني، أو كأن حزب الله ليس شريكاً أصيلاً في هذا الوطن.
اذا حاولنا أن نجمع بين مرافعة التبرير، ومرافعات الحملة الانتخابية، لفريق السلطة، ستواجهنا إشكالية حقيقية، ولنا عندها أن نسأل مجدداً عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء إصرار فريق السلطة على إجراء الانتخابات . هنا، سيبدو لنا كم أن المرافعة الأولى متهافتة، وأنها ليست أكثر من إثارة للغبار للتعمية على الأهداف الحقيقية، وأكثر من ذلك، فإن ما سنخلص اليه سيقدم لنا قراءة مختلفة للاستخدام السياسي للاغتيالات، ومن هو المستفيد الفعلي منها.
أولاً: لقد بدا واضحاً، أن فريق السلطة أراد من الانتخابات الفرعية أن تشكل مناسبة له لإنجاز جملة أمور، أبرزها:
أ ـ أن تشكل استفتاء لسعد الحريري بعد تظهيره كزعيم أوحد لبيروت، واستفتاء خاصاً لنهجه وخياراته السياسية، لكن فشل كل محاولات التجييش واستخدام كل الأسلحة المحرمة فيها، في تحويل الفوز إلى ظاهرة استفتاء، حيث جاء هذا الفوز هزيلاً، أصاب هذا الهدف بانتكاسات سياسية ومعنوية، وخصوصاً، أن المعارضة نجحت في نزع طابع المعركة عن هذه الانتخابات بعدم خوضها لها، بالرغم من جهود الحريري وفريقه على تصوير الانتخابات وكأنها في وجه المعارضة كلها.
ب ـ العمل على كسر زعامة العماد عون للشارع المسيحي، وتحويله إلى مجرد رقم يتساوى مع أرقامها الأخرى، بدون أن يكون له أي ميزة أو أفضلية عليها، وذلك في سياق تهفيت حجته بأنه المرشح الأقوى مسيحياً لرئاسة الجمهورية، كونه هو الممثل والزعيم الأول للموارنة.
ج ـ تحويل الانتخابات إلى وسيلة إثبات سياسية وشعبية على سقوط التفويض الممنوح من قبل الشارع المسيحي بسبب تحالفه مع حزب الله، ومن ثم لتحويل هذا التحالف إلى عبء على التيار الوطني نفسه، بما قد يدفع إلى ضغوط داخلية على عون للتحلل منه، وإذا ما تحقق هذا الهدف يكون فريق السلطة قد أضعف الاثنين معاً، ومعهما المعارضة، وبذلك يتمكن من تعديل موازين القوى لمصلحته بعدما باتت مختلة لمصلحة المعارضة بفوارق كبيرة منذ زمن طويل.
هذه الأهداف مجتمعة هي التي تقف وراء إصرار فريق السلطة على إجراء هذه الانتخابات، وهي التي تفسر الطريقة التي خاضها بها، وتحويله إياها إلى كباش فعلي حول الخيارات السياسية، وهذا الفريق ما كان ليفعل ما فعله لولا لم يكن مطمئناً إلى نجاحه وحساباته، ولعل فارق الأرقام، والثقة المفرطة التي تمتع بها هذا الفريق، خير دليل على ذلك.
لكن حسابات حقل فريق السلطة لم توافق أو تتلاءم مع حسابات بيدره، فكان أن فاز مرشح عون، وهو مرشح مع احترامنا الشديد له، مغمور، وضع في مواجهة مرشح ذي إرث سياسي وعائلي وحزبي، وفوق هذا أو ذاك هو والد القتيل بيار الجميل، كما خاض الانتخابات بتحالف مع جعجع ونسيب لحود، وبتدخل اميركي مباشر صدر عن أعلى موقع فيها بوش، الذي هدد المتمولين الموارنة الداعمين للعماد عون بحجز أموالهم بذريعة أنهم يعملون على تقويض استقرار حكومة السنيورة.
في مواجهة هذا كله خاض عون الانتخابات وربح، وهو ربح انتخابي وسياسي له دلالاته ومعانيه الكبيرة، لأنه أعاد تثبيته كزعيم مسيحي أول وأقوى، كما بنجاح مرشحه أقصى تحالفاً مارونياً رئاسياً عريضاً: الجميل ولحود وجعجع.
ومهما حاول فريق السلطة ابتداع قسمة ضيزى للقيام بعملية توزيع ظالمة ومفارقة للواقع والحقيقة، لكل من الأرباح والخسائر، فإنه، في قرارة نفسه، يدرك أنه خسر وبامتياز.
وهذه المحاولات في الحقيقة تذكرنا بمحاولاته التي قام بها عقب عدوان تموز حيث عمل بجهد للقول بأن المقاومة خسرت، حتى ينفي الخسارة عن الكيان الاسرائيلي، ومن ثم عن نفسه، وذلك إدراكاً منه، أن من لوازم الإقرار بالهزيمة دفع أثمانها السياسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن، هل سأخذ فريق السلطة الدروس والعبر اللازمة مما جرى، فيقر بأنه لا مفر من التوافق مع المعارضة سواء  حول حكومة الوحدة الوطنية، أم حول الاستحقاق الرئاسي، أم يصرّ على طمس رأسه في الرمال كالنعامة، وعلى التزام الأوامر الأميركية، التي لا تبدو من كل تحركاتها في المنطقة، أنها في وارد البحث عن تسويات حقيقية، بقدر ما تقوم بمحاولات لتمديد عمر الأزمات، وإبقاء الأمور على ما هي عليها، واصطناع صراعات جديدة، وبالتالي إبقاء لبنان ورقة بيدها في سياق حروبها التي تخوضها في المنطقة.
الكرة مجدداً في ملعب فريق السلطة، فإما ان يأخذ الدروس اللازمة ويتقيد بها، وإما ان يضحك على نفسه بأوهام جديدة غير موجودة إلا في رأسه.. لقد دقت ساعة الحقيقة، والوقت الفاصل من الآن وحتى الاستحقاق الرئاسي يضيق ويضغط على الجميع، وبالتالي حان وقت القرارات الصائبة، وإلا فليتحمل هذا الفريق مسؤولية كل ما سيجري لاحقاً.
الانتقاد/ العدد 1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007

2007-08-10