ارشيف من : 2005-2008

سأكون فوضوياً

سأكون فوضوياً

كتب نصري الصايغ
من حقي أن أكون ساخراً. من حقي أن أبتسم ابتسامة صفراء. من حقي أن أعبر عن المرارة بعبثية المؤمن بالفرح وهو على حافة السكين. من حقي أن أهذي كثيراً وأقول كلاماً سياسياً لا يخرج إلا من أفواه ساكني المصحات العقلية.
من حقي أن أكون مجنوناً. فلا شيء بات معقولاً في هذا العالم، لا شيء البتة. لا شيء بالمرة. لا شيء يحمل اسمه، المسميات تحمل أسماء لا تشبهها، الأمكنة لم تعد الأمكنة، ألا يدعونا ذلك إلى الجنون المؤقت في نصابه؟ هل الحق في منزلته؟ هل القانون في مقامه؟ هل العدل في نصابه؟ هل الايمان في محرابه؟ هل الصلاة في قبلتها؟ هل القيم في سلّمها؟ هل العقل في رصانته ورجاحته؟ هل العواطف في نبلها؟ هل المشاعر في صدورها؟ هل القلب في حرارته؟ ألف هل ولا تجد شيئاً في مكانه.
إنها الفوضى إذاً، والأسوأ، إنها عقيدة الفوضى، والكارثة، أن لها قادتها ومفكريها، قد يسعها وأبالستها نعيمها وجحيمها، ونظامها المستتب في الدماء.
إنها الفوضى، مبدعة الجريمة البنّاءة، قاتلة الشعوب المستدامة، قديسة النهب، سارقة الخبز والماء، أفيون العرب، بين قوسين: اللغة الأميركية هي اللغة الأم للعرب، فماذا يفعلون بلغة عربية، عروس اللغات؟ يزوجونها، يفتعلونها، يسلّعونها، نقفل القوسين.
وعليه، أريد أن أكون فوضوياً جداً، فوضوياً على طريقتي، لا تعالج الفوضى بالنظام، بل بفوضى أشد منها، كأن تسمع مثلاً الرئيس جورج بوش يقنع الرئيس فلاديمير بوتين بضرورة نصب الدرع الصاروخية، على تخوم روسيا خوفاً من ايران، كأن تسمع أن حكومة السنيورة هي جزء من الأمن القومي الأميركي، كأن تسمع أن الوحدة الوطنية الفلسطينية تعيق السلام، كأن ترى وزيرين عربيين يسوّقان مبادرة السلام العربية لدى إسرائيل، ثم يعودان بلائحة من المطالب الإسرائيلية، وعدد من الاغتيالات والاجتياحات. كأن ترى وليد جنبلاط يحضر القداس الذي أقامته "القوات اللبنانية" على أرواح شهدائها. كأن تسمع أن من مبادئ الديموقراطية الأميركية الذائعة الجرائم، تحرّض على تصفية "حماس"، وتحرّض فريق 14 آذار على نصف  الشعب اللبناني، بمن فيهم الأرمن، كأن تسمع أمراء الحرب اللبنانيين، يسفكون الوقت من أجل توحيد الامارات ـ المدافن، تحت قبضة القرصان الاميركي، كأن تسمع أن اسرائيل، هي المرشحة برمتها لجائزة نوبل للسلام ـ لاتقانها فنون زرع عناقيد القنابل في الجنوب.
أريد أن أكون فوضوياً مضاداً، تماماً كما فعل بوتين عندما سمع حجج بوش، سخر منه، ضحك بأعلى صوته وهو العابس دائماً، حتى يقال انه لا يبتسم حتى في فراشه الزوجي، بوش أضحكه، حتى اضطر الى الهرولة الى الحمام لقضاء سخريته، أريد أن أكون فوضوياً، تماماً كما تفعل الأكثرية بعد انتصارها المهزوم في المتن، ألا يحق لي أن أكذب، أن أرتكب، أن أنتقل؟ أريد أن أجاري بوش في عقر داره، فبما أنه قرر أن يأخذ أموالي المنقولة، لأنني ضد اميركا، وحكومة السنيورة، ومع الأرمن، ومع أيتام الطوائف، فإنني ذاهب الى واشنطن للإدلاء بصوتي في الانتخابات الأميركية/ العربية القادمة، اننا تركنا واجباتنا خلفنا، ان بوش والادارات الأميركية تهتم بنا وبصنف دمنا وأصناف رغباتنا، وأنواع أحلامنا، وأعداد أموالنا، فإن من حقنا ان ننتخب حاكمنا.
فالحكام العرب، ليسوا منتخبين أصلاً، وهم فوقنا دائماً، وتحت الأميركيين غالباً، إذاً، علينا أن نمارس الديموقراطية وننتخب رئيسنا الأميركي القادم.
اقتراح فاشل؟
طبعاً، من منا يستطيع أن يكون عبقري الفوضى، وعبقري الإجرام، لا أحد يستطيع أن يتفوق على بوش والبوشيين العرب، من حكام وسياسيين ومفكرين واقتصاديين وأربعتش آذاريين، وفيّاضيين وهلّم جراً من "قيادات" مجرورة بجباهها خلف النعال الاميركية.
أيتها الفوضى.. لا أستطيع أن أكون متفوقاً في أداء مهمتي الفوضوية، أنا فاشل جداً، وأفضل ما اجترحته عبقريتي البائسة، دعوة العالم الى حفل موسيقي، في حديقة الحيوانات الدولية، حيث العازفون سينشدون النشيد الوطني الأميركي بلغة هاتكفا.
بقيادة قائد الأوركسترا ـ ارييل شارون، المقيم، حياً ميتاً، في متحف السلام العالمي.
يا أمة سخرت من علمها الأمم!!!
والله عيب.
الانتقاد/ العدد 1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007

2007-08-10