ارشيف من : 2005-2008
عالم جديد على خلفية الهزائم الأميركية
الأحادية القطبية والنزعة الامبراطورية الأميركية والعولمة الأميركية والنظام العالمي الجديد ونهاية التاريخ.. مفاهيم فرضت نفسها بقوة على قاموس السياسة الدولية خلال العقدين الماضيين، كتعابير مختلفة منذ انهيار النظام الشيوعي، عن وضع بدا فيه أن المجال قد أصبح مفتوحاً أمام القوة العظمى الأميركية للتفرد بقيادة العالم. وبالفعل ظهرت على مستوى السياسة الأميركية الملموسة مؤشرات عديدة دلت على تنامي نزعة التفرد، وانعكس ذلك في الهيمنة الأميركية شبه المطلقة على القرار الدولي في مجلس الأمن وغيره من المؤسسات الدولية. وإذا كانت "أوروبا العجوز" ـ وفق تعبير دونالد رامسفيلد ـ قد أظهرت شيئاً من الممانعة تحت شعار التعددية القطبية، فإنها سرعان ما عادت إلى الصف الأميركي بعد فوز بوش بولاية رئاسية ثانية، لتأخذ لنفسها موقعاً على هامش الموقع الأميركي إلى جانب "أوروبا الفتية"، الشيوعية سابقاً، ومنها روسيا يلتسين التي أصبح كل همها محصوراً بنيل رضا أميركا والغرب بهدف تحصيل المساعدات والاستثمارات.
وفي هذه الظروف ظهرت فكرة صراع الحضارات لتخلق مناخاً عززته، خصوصاً بعد 11 أيلول سبتمبر، الأوضاع التي سمحت بشيطنة حركات التحرر ودمغها بصبغة الإرهاب، ما وضع العالم ـ العالم الإسلامي تحديدا ـ في حالة من الجهوزية التامة لأن يتحول إلى ميدان تصول فيه الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً على طريق وضع اللمسات الأخيرة على امبراطوريتها العالمية. ولعل نجاح الولايات المتحدة في الحشد لغزو أفغانستان والعراق تحت راية الأمم المتحدة، في الحالة الأولى، أو من خلال تحالفات عسكرية ضمت عشرات الدول، في الحالتين يقدم مصداقاً بليغاً على مدى قبول الأجهزة الحاكمة في العالم، وشرائح شعبية واسعة من العالم المستهدف نفسه، لفكرة الانضواء تحت الراية الأميركية الخافقة في كل مكان. تكفي الإشارة، فيما يتعلق بتلك الشرائح، أن المراقبين كانوا يصابون بالذهول وهم يلاحظون خروج التظاهرات في بلدان مستعمرة سابقة للمطالبة بعودة المستعمر، أو لاستقبال الرؤساء الأميركيين في زياراتهم لأفريقيا، وهو الذهول الذي يفرض نفسه أيضاً عندما نلاحظ حالة الهمود التي يعيشها الشارع العربي مثلاً بعد كل الصخب والهدير المناوئين للإمبريالية و"إسرائيل"، اللذين تحولا في العديد من الحالات إلى حماس مكشوف للهرولة والتطبيع وحتى للتعاون مع العدو التقليدي ضد "القضية المقدسة".
باختصار تحولت الهرولة خلف أميركا وحلفائها إلى سمة للعصر في حقبة الحرب على ما يسمى بالحرب على الإرهاب والدول المارقة. وأصبح التأمرك قبل فوات الأوان خاصية مميزة لكل رواد التسلق السياسي على حساب كل اعتبار مبدئي أو أخلاقي. لكن برغم جميع الاعتبارات التي تعطي قوة البديهيات لعظمة أميركا وقدرتها على أن تكون فعالة لما تريد، جاءت حسابات البيدر غير منسجمة مع حسابات الحقل، وبدأ العقد الأميركي بالانفراط.. أميركا اللاتينية الحديقة الخلفية لواشنطن، تحولت مع هيغو شافيز وإيفو موراليس ودانييل أورتيغا وغيرهم، إلى نوع من كوبا موسعة، مع كل ما يثيره ذلك من غيظ عند اليانكي الشماليين.
روسيا بوتين عادت فجأة بما قررت تثميره سياسياً من قدراتها في مجال الطاقة وفي المجال العسكري وفي مجال الطموحات القومية، للمطالبة بموقع مناسب لقدراتها على المسرح الدولي. وها هي الآن تخوض مواجهة على جبهتين: مع واشنطن حول الدرع الصاروخية وكوسوفو، ومع لندن حول تسليم مطلوبين من الجانبين. وفي الحالتين عادت لغة الحرب الباردة، وحتى لغة الاستعمار الكلاسيكي إلى التداول اليومي في التصريحات الغاضبة. والأهم من ذلك أن عقد "انسحار" الشارع الروسي بالغرب قد بدأت بالانحلال بعد أن أدرك الروس أنهم قد أخطأوا عندما تخلوا عن حالة الكفاية الاقتصادية في ظل النظام الاشتراكي كرمى لرأسمالية لم تكشف لهم عن غير وجهها المتوحش. وقد بينت آخر الاستطلاعات أن 64% من الروس يعتبرون الولايات المتحدة عدواً لهم، بعد أن كانوا قبل أقل من عشر سنوات ينظرون إليها بوصفها النموذج المثير للإعجاب والجدير بأن يُحتذى. وفي ظل ذلك تحررت موسكو من مخاوفها العابرة وعادت إلى بناء التحالفات الاقتصادية وحتى العسكرية مع الصين وبلدان آسيا الوسطى، كما عادت إلى إبرام صفقات بيع الأسلحة الأشد نكاية بالأميركيين والدائرين في فلكهم. أما الصين، فالجمر بينها وبين أميركا منه ما هو تحت الرماد ومنه ما هو فوق الرماد، حول تايوان والتيبت وميزان التبادل التجاري.
ماذا عن أوروبا الغربية؟ على المستوى الرسمي هنالك جفاء بين مدريد وواشنطن بسبب عرقلة الأخيرة صفقة سلاح من إسبانيا إلى فنزويلا، عدا عن التورط الإسباني المكلف في حروب أميركا. وجفاء مماثل بين واشنطن وبرلين المستاءة من تعنت الإدارة الأميركية في ما يتعلق بملف الكارثة البيئية. أما عن فرنسا، فإن رحيل شيراك ومجيء ساركوزي مدعاة للتساؤل: فإذا كان بعض الفرنسيين يصلون إلى حد نعت ساركوزي بأنه "كلب" واشنطن، فإن البعض الآخر يعتبره ثعلباً ماكراً او حتى ذئباً جاهزاً للانقضاض في أي لحظة والإتيان بما لا يخطر ببال.. والاتحاد المتوسطي وما يجري حالياً بين فرنسا وليبيا شاهدان صارخان على أن فرنسا عادت لتطمح إلى أكثر من استعادة المواقع التي خسرتها في أفريقيا لحساب واشنطن.. وحتى بريطانيا الموصوفة تاريخياً بأنها جزيرة أميركية على بعد أمتار من القارة الأوروبية، أظهرت مؤخراً ما فسره المراقبون بأنه محاولة للخروج من الحفرة التي أوقعها فيها طوني بلير جراء تبعيته المطلقة للسياسة الأميركية، وذلك من خلال التصريحات المثيرة للجدل التي صدرت عن وزير التنمية الدولية البريطاني دوغلاس ألكسندر، والتي عارض فيها القوة العسكرية كسبيل لحل الخلافات الدولية، ما اعتبر إشارة واضحة إلى استياء بريطاني من السياسية الأميركية في أجواء تململ بريطانيا من استمرار مشاركتها في الحرب على العراق.. كما أن مطالبة ألكسندر بإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الدولية ومعالجة مشكلات الأمن والعولمة والمناخ والفقر والمرض بدلاً من الانعزال والتفرد تنطوي على الكثير من العناصر المزعجة للتوجهات الأميركية المعروفة في هذا المجال.
وللشعوب الأوروبية كلمتها أيضاً، إذ بين استطلاع نشرته الأسبوع الماضي "الفاينانشال" البريطانية، أن 32 في المئة من الأوروبيين ما زالوا كما كانوا قبل عامين، ينظرون إلى الولايات المتحدة بوصفها التهديد الأكبر للأمن والاستقرار العالميين.
كيف يمكن تفسير هذا التحول العالمي من خطب ود أميركا إلى معاداتها والتصدي لها.. هنالك إجابة واحدة: هزيمة أميركا في العراق وأفغانستان، وهزيمة "إسرائيل" في لبنان وغزة. والخلفية واحدة: صمود المحور الإيراني ـ السوري وتبوؤه موقع الطليعة في عملية التصدي العالمي المتصاعد لنوازع الاستكبار والهيمنة.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد / العدد1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018