ارشيف من : 2005-2008
بوش ولعبة الاستثمار في الأخطار الوشيكة
الاستمتاع بالعطل وبالعطلة الصيفية بوجه خاص أمر مهم بالنسبة الى الكثيرين، وأهميتها جعلت منها خطاً أحمر عند الشيوخ والنواب الأميركيين. لكن شخصاً واحداً يتمتع في الولايات المتحدة بصلاحيات دستورية تسمح له باختراق هذا الخط، وهذا الشخص هو بالطبع الرئيس الأميركي جورج بوش. تفصيل ذلك أن الرئيس بوش المدفوع برغبته في أن يصادق مجلسي الشيوخ والنواب على قانون يسمح بالتنصت على الاتصالات الهاتفية والإلكترونية التي يقوم بها أشخاص أجانب عبر تجهيزات أميركية وفوق الأراضي الأميركية، هدد يوم الجمعة الماضي (3/8/2007) ممثلي الأمة الأميركية بأنه لن يسمح لهم بإنهاء الدورة الحالية للمجلسين، وهي تنتهي عادة مساء اليوم نفسه، وبأن يذهبوا للاستمتاع بالعطلة السنوية قبل أن يقروا القانون المذكور.
كثيرون منهم كانوا يثيرون تحفظات حول هذا القانون، لكن تهديد بوش جعلهم يواصلون العمل حتى ساعة متأخرة من ليل السبت، لينتهي بهم الأمر إلى إقرار القانون بأكثرية (227) صوتاً مقابل (183). ومع إقرار هذا القانون الذي سارع الرئيس بوش إلى المصادقة عليه فور وصوله إلى مكتبه، تكون الاستخبارات الأميركية قد أضافت إلى "حقّها" بالتنصت والمراقبة على جميع الاتصالات الهاتفية والإلكترونية في العالم حقاً جديداً هو تطبيق هذا الإجراء المتعلق بمكافحة الإرهاب على الاتصالات التي يقوم بها أشخاص أجانب عبر تجهيزات أميركية وفوق الأراضي الأميركية.. حق يقول المعترضون، ومنهم نواب ديمقراطيون وممثلون عن جمعيات الحقوق المدنية، إنه "قد يذهب بعيداً"، لجهة عدم الاقتصار على ما له علاقة بمكافحة الإرهاب من جهة، ولجهة إمكانية أن يخضع له أشخاص أميركيون من جهة أخرى. من هنا أُقر القانون بصيغة تشترط الحصول على إذن قضائي إذا ما استدعى الأمر مراقبة أشخاص أميركيين.
لكن الضربة نادراً ما لا تأتي بعدها ضربات.. فقد أقر المجلسان في الوقت نفسه وللغرض نفسه، وبناءً على رغبة الرئيس نفسه، قانونين آخرين سارع بوش إلى المصادقة عليهما أيضاً.. القانون الأول يهدف إلى تعزيز الجهود لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة عبر تعزيز مراقبة الحمولات الجوية والبحرية القادمة إليها من الخارج للتأكد من عدم احتوائها على رؤوس نووية، وذلك وفقاً لتوصيات قُدمت قبل 3 سنوات من قبل اللجنة المكلفة بالتحقيق في هجمات 11 أيلول سبتمبر. كما نص القانون نفسه على منح مخصصات مالية إضافية من الموازنة الاتحادية للمدن والولايات الأميركية المهددة بالخطر الإرهابي، وكذلك لبرامج تأمين التواصل بين قادة الأجهزة الأمنية الأميركية، وحفظ الأمن على السكك الحديدية وفي وسائل النقل العامة الأخرى.
أما القانون الثاني فيخصص مبلغ 459.6 مليار دولار لموازنة الدفاع للعام 2008، أي بزيادة 40 مليار دولار على الموازنة الحالية. ولا يشمل هذا المبلغ موازنة الحرب الخاصة بأفغانستان والعراق التي ستناقش في أيلول/ سبتمبر القادم، بل يقتصر على تحسين تجهيزات الحرس الوطني وجنود الاحتياط وبرامج الصحة والإسكان الخاصة بالعسكريين.
ما هو السر في هذا الهروع الأميركي المكثف إلى استصدار كل هذه القوانين العسكرية والأمنية والتجسسية، وتخصيص كل هذه المبالغ المالية للمجالات المذكورة؟ الواضح أن إدارة الرئيس بوش التي تنشر جيوشها في أنحاء العالم وتخوض أكثر من حرب عدوانية في وقت واحد على بعد آلاف الكيلومترات من الأراضي الأميركية، قد نجحت في إقناع الأميركيين بأنهم مهددون. صحيح أن الهجمات على نيويورك وواشنطن شكلت منذ البداية حججاً أسدت إلى بوش ومعاونيه خدمات من النوع الذي، فيما لو كان يدخل في اهتمامات البورصة، لقدر ثمنها بآلاف مليارات الدولارات. لكن الإعلام الأميركي لم يكف يوماً منذ تلك الهجمات، عن تخويف الأميركيين من هجمات وشيكة جديدة من دون أن تحصل أي هجمات، باستثناء بعض التصريحات التهديدية التي تصدر عن بعض الجهات والتي من حيث ندري أو لا ندري، تمنح حجج بوش مزيداً من المصداقية في نظر الكثير من الأميركيين الذين يدفعون ويذهبون إلى قضاء عطلهم في أجواء "آمنة".
وقد زل لسان بوش مؤخراً عندما قال إن إدارته أمنت الحماية للأميركيين، وجعلت الولايات المتحدة بلداً "آمناً". لكنه تدارك تلك الزلة الخطيرة عندما انتبه إلى التناقض بين جعله اميركا بلداً آمناً وكل هذه الموازنات العسكرية والقوانين التجسسية، بأن استبدل لفظة "آمناً" بتعبير "أكثر أمناً، ولكنه ليس آمناً بالكامل". فالفرق بين الأمن الكامل غير المتوفر بنظره، والأمن غير الكامل هو ما يسمح له بمواصلة ابتزاز أميركا والعالم لتمرير قوانينه وإجراءاته وحروبه. ولكن هل تستطيع أميركا والعالم مواصلة دفع كل هذه الضريبة لتحقيق الأمن الأميركي الكامل؟ أغلب الظن ان سياسة الابتزاز بالأخطار الموهومة القادمة من الخارج تحفر الآن بين أميركا والخارج هوة أعمق وأكثر اتساعاً من المحيطين الأطلسي والباسيفيكي.
ع. ح.
الانتقاد / العدد1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018