ارشيف من : 2005-2008
بين انسحاب جبهة التوافق و"الأجندة" الأميركية : هل اجتمع الجميع على إسقاط المالكي؟
بغداد ـ عادل الجبوري
لم يبحث الكثيرون عن تفسير مناسب ومعقول ومقبول لتوقيت زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لكل من تركيا وايران المتزامن مع اشد ازمة سياسية يواجهها المالكي منذ توليه رئاسة الحكومة قبل اكثر من عام، نتجت عن اعلان جبهة التوافق العراقية (كيان سني) بزعامة عدنان الدليمي انسحابها من الحكومة. لكن البعض شبهها بزيارة رئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري الى تركيا في اواخر ولايته، حيث كان يصارع للبقاء في رئاسة الحكومة ويواجه ازمة مماثلة، وربما الفارق بين ازمته وازمة المالكي يتمثل في ان الاولى كانت مع التحالف الكردستاني والثانية مع جبهة التوافق.
هل يعني هذا الربط ـ او تلك المقاربة ـ ان المالكي سيواجه نفس السيناريو الذي واجهه رفيقه في درب الجهاد الطويل، ام ان الامور ستأخذ منحى آخر؟
حينما سألت نائباً في البرلمان العراقي من كتلة الائتلاف الموحد بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم عن الخيارات المطروحة والاوفر حظا منها، رد عليّ قائلا "هنالك ثلاثة خيارات، اما عدول جبهة التوافق عن قرار انسحابها من الحكومة، او اصرارها على الانسحاب، ونجاح رئيس الوزراء وبمساعدة اطراف سياسية فاعلة ومؤثرة مثل المجلس الاعلى والحزبين الكرديين بالدرجة الاساس في القيام بإجراءات ترقيعية للحؤول دون انهيار الحكومة، او الفشل في ذلك ليصار حينذاك الى تكليف شخص اخر بتشكيل حكومة جديدة".
ومن خلال كلام البرلماني العراقي يبدو ان الازمة السياسية الراهنة خانقة وحساسة وخطيرة، وان معالجتها هذه المرة تحتاج الى مزيد من الوقت، والى مزيد من المفاوضات الماراتونية التي ربما لن تختلف عن مسيرة مفاوضات تشكيل الحكومة ربيع العام الماضي ان لم تكن اكثر تعقيدا وصعوبة منها.
ولعل ما اضفى قدرا اكبر من التعقيد والصعوبة على الموقف هو طلب رئيس القائمة العراقية ورئيس الوزراء الاسبق اياد علاوي، من الوزراء المحسوبين على القائمة مقاطعة اجتماعات مجلس الوزراء، بل ان بعض المصادر الاعلامية قالت انه دعاهم الى مقاطعة المالكي والارتباط والتنسيق مع الطالباني.
الاوساط الحكومية المقربة من رئيس الوزراء مثلما حاولت التقليل من اهمية استقالة وزراء جبهة التوافق، تعاطت بنفس السياق مع خطوة علاوي، إذ اعتبر المستشار السياسي لرئيس الوزراء صادق الركابي ان دعوة علاوي غير مفاجئة، ولا تحمل جديدا، كونها تأتي ضمن سلسلة محاولات سابقة يدفع بها رئيس الكتلة العراقية الوطنية إياد علاوي بهذا الاتجاه، مشيرا في ذات الوقت الى ان انسحاب أية جهة من الحكومة لا يحل الأزمات بل يزيدها تعقيدا.
وفي ذات الوقت تجري اتصالات منذ ايام عدة بين رئيس الحكومة ومجلس انقاذ الانبار بزعامة الشيخ عبد الستار ابو ريشة لغرض ترشيح بدلاء عن وزراء جبهة التوافق في حال اصرت الجبهة على مواقفها، ولم تعد النظر فيها، وبينما رحب مجلس انقاذ الانبار بذلك، فإن القراءة المتأنية لسياقات الوقائع والاحداث تذهب الى ان المشكلة في الواقع اكبر بكثير من قضية وجود مقاعد وزارية شاغرة ويجب ملؤها من قبل اشخاص ينتمون الى نفس طائفة الوزراء المستقيلين. فالمشكلة، او الازمة، باتت الان متعددة الابعاد والجوانب ومتشابكة ويحتاج رئيس الوزراء اذا اراد البقاء في منصبه الى ان يرضي اطرافا سياسية عديدة متقاطعة مع بعضها البعض في "اجنداتها" وحساباتها ومصالحها، وعليه ان يعيد النظر في آليات اتخاذ القرار وسياقات العمل، فهناك اطراف ما زالت توفر الدعم والاسناد للمالكي ولا تريد الاطاحة به وبحكومته، لكن لديها ملاحظات ومؤاخذات كثيرة على منهجه الانفرادي والاقصائي في اتخاذ القرارات وتنفيذها، وستجد الفرص سانحة للتفاوض مع المالكي من جديد.
ومعروف ان انسحاب جبهة التوافق جاء استمرارا لتداعيات "خطيرة" في عموم الاوضاع السياسية في العراق، من بينها تعليقها والكتلة الصدرية مشاركتهما في جلسات البرلمان لفترة من الزمن على خلفية تفجير مرقد الامامين العسكريين في سامراء، وصدور امر قضائي باعتقال وزير الثقافة اسعد الهاشمي بتهمة ضلوعه باغتيال نجلي النائب مثال الالوسي قبل اكثر من عامين. الى جانب العلاقة المتأزمة بين رئيس الوزراء ونائب رئيس الجمهورية والامين العام للحزب الاسلامي العراقي طارق الهاشمي، الذي لم يخف رغبته في اكثر من مرة بإقصاء المالكي من رئاسة الحكومة.
مضافا الى ذلك التحركات السياسية المتواصلة لرئيس الوزراء الاسبق اياد علاوي، لايجاد صيغ بديلة تتيح له العودة الى رئاسة الحكومة، من قبيل تشكيل حكومة انقاذ وطني بعيدا عن الاستحقاقات الانتخابية وبنود الدستور الدائم.
والاكثر من ذلك كله ان رئيس الوزراء السابق والقيادي في حزب الدعوة الاسلامية ـ المقرر العام ابراهيم الجعفري بدأ تحركات محمومة استعدادا لمرحلة جديدة، وهذه التحركات تتمحور حول هدف واحد، يتمثل في تنحية المالكي وعودته هو الى رئاسة الحكومة التي ارغم على التنازل عنها ليخلفه المالكي، الذي استحوذ في المؤتمر العام الاخير لحزب الدعوة قبل شهور قلائل على زعامة الحزب، ما اثار حفيظة الجعفري ودفعه الى تبني مواقف سلبية من الحزب عبر عنها بعض قياديي الحزب وآخرهم السيد علي العلاق، لكن هناك اوساطا تتحدث عن استكمال الجعفري كافة الخطوات والاجراءات لتشكيل حزب وطني بزعامته بعيدا عن حزب الدعوة.
ومؤشرات هذا الاتجاه برزت مؤخرا، ولعل من بينها توقف الصحيفة الرئيسة لحزب الدعوة "البيان" عن الصدور بسبب اقدام الجعفري على ايقاف التمويل المالي لها، وتبنيه مشروع انشاء موقع على شبكة الانترنت باسم "الملف" مكرس بشكل او بآخر لمهاجمة حكومة المالكي وكشف عيوبها ونقاط ضعفها، وتوجيه الانتقادات لحزب الدعوة والائتلاف العراقي.
بعبارة اخرى يمكن القول ان عدة جبهات يمكن ان تكون قد انفتحت امام نوري المالكي الذي يتفق معظم الفرقاء السياسيين انه يفتقر الى الحنكة السياسية الكافية، والقاعدة الجماهيرية، ناهيك عن كونه احاط نفسه بعدد كبير من المستشارين الجزء الاكبر منهم، ان لم يكن جميعهم من كوادر حزب الدعوة، الامر الذي اضفى جوا ومناخا حزبيا على الامانة العامة لمجلس الوزراء، ومكتب رئيس الوزراء.
وهو ـ أي المالكي ـ يواجه وضعا حرجا للغاية، ولا سيما ان الاشارات بشأن الرغبة بتنحيته اصبحت واضحة وصريحة، الى جانب عدم الرغبة بعودة الجعفري، وهذا ما بدا واضحا من تصريح ادلى به قبل ايام قلائل القيادي في الحزب الاسلامي وجبهة التوافق اياد السامرائي بقوله ان حزب الدعوة اخذ فرصته وعليه ان يفسح المجال للاخرين.
وفي خضم كل تلك التجاذبات راحت وسائل الاعلام المختلفة تتداول اسماء بعض الشخصيات كمرشحين لرئاسة الوزراء، ومن بين تلك الاسماء ابراهيم الجعفري واياد علاوي وعادل عبد المهدي، اضافة الى احمد الجلبي ومهدي الحافظ.
وبما ان فرص الجعفري وعلاوي وعبد المهدي تكاد تكون ضئيلة نظرا لتعقيدات الخارطة السياسية، فإن هناك من يقول ان الجلبي ـ وربما الحافظ ايضا ـ يأمل في ان يكون بنهاية المطاف مرشح الحل الوسط. وايا تكن مسارات الازمة، ومسارات الحل، فما يبدو هو ان الحسم لن يكون سريعا هذه المرة، فالحلول الترقيعية ستعني بقاء اصل الازمة، والحلول الجذرية ستعني عودة ربما كثيرا وليس قليلا الى الوراء، ناهيك عن دور الاحتلال الأميركي الذي كان أول من بادر إلى الحديث عن تغيير المالكي، ولا بد حينذاك من كبش فداء!.
الانتقاد / العدد1227 ـ 10 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018