ارشيف من : 2005-2008
كانون الأول موعد محاكمة قادة العدو أمام "محكمة الضمير" في بروكسل : "جرائم حرب تموز" أسيرة لجنة رزق البطيئة التحرّك
لم يتفق أن أقدمت دولة عربية واحدة على مقاضاة الكيان الصهيوني أمام المراجع الدولية المعنية، وإن فعلت فعلى مضض وبحياء تام، أو أنّ الأمر اقتصر على الاستهلاك الإعلامي المحض، من دون أن تكمل في استخدام حقّها الطبيعي والوجودي والمصيري، والاستفادة من تضامن عدد من الشعوب والدول الأجنبية معها، وذلك لأسباب متعدّدة أبرزها وأخطرها عدم رغبتها في التصدّي للعدوّ الإسرائيلي بالقانون ومحاكمته على أفعاله الإجرامية الفظيعة والشنيعة، على غرار رفضها المطلق مقاتلته واستعادة فلسطين وكلّ أرض عربية محتلّة.
وقد سمح إغفال هذا الحقّ المشروع للعدوّ بالتمادي في ارتكاب مجازره ومذابحه على مرأى من الأمم المتحدة المكتومة الصوت، التي لم تحرّك ساكناً كأنّها خرساء وصمّاء، بفعل سيطرة الولايات المتحدة الأميركية ومن خلفها "اللوبي" اليهودي المنتشر في العالم عليها، ولم تجرؤ على اتخاذ موقف إدانة واحد طوال مسيرة تقديم الشكاوى لها، يعيد الاعتبار على الأقل للضحايا والشهداء، ويبعد الشرّ الإسرائيلي عن الأحياء ويحمي الإنسانية من المسّ الدائم بها تحت شعارات واهمة وواهية لا أساس لها من الصحّة تتحدّث عن القضاء على الإرهاب، بينما الدولة العبرية في حقيقة الأمر هي الإرهاب عينه.
وبعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان شعباً ومقاومة وحياة في شهري تموّز/ يوليو وآب/ أغسطس من العام 2006، والتي استمرّت ثلاثة وثلاثين يوماً طوال ساعات الليل والنهار، "صمّمت" حكومة الرئيس فؤاد السنيورة رسمياً على مقاضاة "إسرائيل" أمام المحاكم الدولية المتعارف عليها والمخصّصة لمثل هذه الموضوعات الدقيقة، وذلك على الجرائم والمجازر الكثيرة التي اقترفتها عن سابق تصوّر وترصّد بحقّ لبنان، وطاولت المدنيين العزّل من أطفال ونساء وشبّان ورجال وعجزة، والبنية التحتية من جسور وطرقات داخلية ودولية ومطار ومرفأ، فضلاً عن التدمير الشامل للعمران وصل إلى حدّ إبادة أحياء بكاملها وتسوية منازل بالأرض كأنّ زلزالاً طارئاً ضربها بغفلة عن المراصد الدولية.
وبتاريخ الثاني من تشرين الأوّل/ أكتوبر من العام 2006 أُوكل السير بهذه المهمّة النوعية لوزارة العدل، حيث قام الوزير شارل رزق بتشكيل لجنة من محامين وحقوقيين لبنانيين بعضهم يفضّل السلام مع "إسرائيل" على ما ينقل عارفوهم عنهم في مجالسهم الخاصة، وبعضهم يحاربها بـ"السموكينغ" والسيجار، وأوعز الى النيابة العامة التمييزية جمع المستندات والوثائق والصور الداعمة للملفّ المطلوب إعداده عن الجرائم الإسرائيلية، مأخوذة بطبيعة الحال من "أرشيف" وسائل الإعلام المرئي والمكتوب، وما تزوّدها به الإدارات والمؤسّسات الرسمية، وذلك من أجل الإحاطة الشاملة والكاملة بكلّ مستلزمات الملفّ، وسدّ كلّ النواقص التي قد تعتريه، وعدم إبقاء أيّ حجّة لدى المحكمة المعنية لردّ هذه الدعوى أو رفضها وعدم القبول بها.
وعقدت لجنة شارل رزق اجتماعات عمل عدّة، ثمّ انقطعت عن ممارسة واجبها الوطني، ولم تتمكّن خلال عام واحد حتّى الآن من تهيئة هذا الملفّ الحيوي والضروري لنجاح أيّ دعوى، باستثناء نجاح الوزير رزق في مطالبة حكومة السنيورة بتوفير مبلغ مالي ضخم، هو عبارة عن مليون وستمئة ألف دولار أميركي لتسديد نفقات سفر تشمل أثمان التذاكر والإقامة والانتقال، ومصاريف التعاقد مع مكتب محاماة بريطاني يساعد في تقديم هذه الدعوى ومتابعتها أمام المحكمة الدولية المعنية.
وبموازاة لجنة الوزير رزق قرّر اتحاد المحامين العرب الذي كانت له تجارب سابقة في إقامة محاكم صورية في العاصمة المصرية القاهرة، لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين وأميركيين وبريطانيين على إساءاتهم المستمرّة للشعوب العربية بمشاركة قضاة وقانونيين عرب وأجانب، الشروع في محاكمة قادة العدوّ الإسرائيلي على ما فعلوه في حربهم على لبنان.
وانطلق الاتحاد في مشروع تحضير المستندات المطلوبة لتقديم جملة دعاوى ضدّهم في غير دولة أوروبية، وذلك بغية تضييق الخناق عليهم ومحاصرتهم ومنعهم من السفر وإظهارهم على صورتهم الحقيقية على أنّهم مجرمو حرب وإرهابيون من الطراز الأوّل.
وأناط الاتحاد هذا العمل بعدد من القانونيين اللبنانيين والعرب، منهم الوزير السابق الدكتور عصام نعمان، والوزير الأردني السابق الدكتور محمّد الحموري، وأستاذ القانون العام في الجامعة اللبنانية الدكتور محمّد طي، وهم يبذلون جهوداً كبيرة للمضي قدماً في رفع هذه الدعاوى الموثّقة، برغم كثرة العوائق الموجودة أمامهم، التي منها ما هو مادي ومنها ما هو قانوني لا يمكن تجاوزه وتخطّيه بسهولة كما يتصوّر بعض المتابعين.
فليس من السهل مقاضاة العدو الإسرائيلي دولياً، وإن كان بالإمكان الاقتصاص من قادته السياسيين والعسكريين وتصنيفهم مجرمي حرب لارتكابهم جرائم ضدّ الإنسانية. كما أنّ لبنان في ظلّ الوضع الدولي الراهن لا يستطيع نيل حقّه بواسطة القانون.
ويشرح الأمر الدكتور محمّد طيّ في حديث مع "الانتقاد" بالقول إنّه يمكن مقاضاة "إسرائيل" من خلال اتفاقية الإبادة الجماعية الصادرة في العام 1948 لكون لبنان و"إسرائيل" موقّعين ومصادقين عليها، "ويوجد بند فيها ينصّ على أن المكان الطبيعي لهذا التقاضي هو محكمة العدل الدولية، ويمكن المطالبة بتعويضات، فإذا رفضت "إسرائيل" أن تدفعها يعود البتّ بهذا الأمر إلى مجلس الأمن، وبالتالي فإنّه لا توجد نتيجة لذلك حالياً"، باعتبار أنّ مجلس الأمن خاضع كلّياً لهيمنة الولايات المتحدة الأميركية التي لن تقبل بخسارة حليفتها أو إدانتها، لأنّ مجرّد الاعتراف بالتعويض المادي هو تجريم معنوي لها لن يسقط بمرور الزمن، وإن كانت جرائم العدو الإسرائيلي ولمساته في غير بقعة عربية وجسد عربي جليّة ولا تزول.
ويضيف طي: الحرب مع هذا العدو لم تنته ولا تزال قائمة، ما يعني أنّ المطالبة بالتعويضات المالية غير نهائية، وهذا ما يوجب صرف النظر عن هذه المسألة في ظلّ استمرار حال الحرب. كما أنّه ليس بمقدور لبنان اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية التي أقرّت في اتفاقية روما في إيطاليا في العام 1998 لمعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضدّ الإنسانية، والسبب بسيط، هو أنّ لبنان و"إسرائيل" غير منضمّين إليها وغير مصادقين عليها، وبالتالي فإنّه لا يمكن المراجعة أمامها.
وإن كان هناك رأي قانوني يقول بإمكانية المراجعة أمام هذه المحكمة استنادا إلى الفقرة الثالثة من المادة 12 من نظام المحكمة، إلاّ أنّ "هذه الفقرة تصلح في حال وجود دعوى مقامة من دولة أخرى، ويتدخّل لبنان فيها من باب المسّ بسيادته" بحسب تعبير طيّ، الذي يشدّد من ناحية أخرى على وجوب تقديم المواطنين المتضرّرين من جرائم العدو الإسرائيلي دعاوى في الخارج وتحديداً في بعض الدول الأوروبية والأميركية الجنوبية أمام محاكمها الوطنية، لأنّها أكثر فاعلية وتعطي نتيجة حتمية.
ويوضح طيّ أنّه بمقدور اللبنانيين الذين يملكون جنسية دولة أخرى أوروبية أو أميركية، وتضرّروا من الأعمال العدوانية الإسرائيلية، أن يقيموا هذه الدعاوى، إضافة إلى أنّ هناك إمكانية في بعض البلدان لأنْ يقدّم أيّ متضرّر مهما تكن جنسيته، دعوى في بعض البلدان التي تمتلك محاكمها الصلاحية الشاملة، مثلما حصل في الشكوى التي أقامها لبنانيون ناجون من مجزرة صبرا وشاتيلا أو استشهد لهم أهل وأبناء وأقارب فيها، ضد رئيس وزراء العدو السابق آرييل شارون في بلجيكا، والتي رضخت للمشيئة الأميركية الصهيونية المشتركة وعادت وعدّلت قانونها، فأصبح من الصعب تقديم مثل هذا النوع من الدعاوى في محاكمها.
ونسأل الدكتور طيّ بحكم خبرته واطلاعه وانكبابه اليومي على إعداد التقرير المطلوب منه لإنجاح هذه المقاضاة النوعية والنادرة، عمّا إذا كان الأمل ضئيلاً في تحصيل حقّ يراد له أن يضيع برغم نصاعته ووضوحه كعين الشمس، وانتفاء المحكمة المختصّة، فيجيب: "هناك امكانية لذلك في دول أخرى مثل سويسرا وإسبانيا وبعض دول أميركا اللاتينية لتقديم دعاوى ضدّ "إسرائيل" أمام محاكمها، إلاّ أنّ الأسهل هو أنْ تقدّم في إسبانيا بسبب وجود إشكاليات قانونية تجعل من الدعوى صعبة التحقّق في سويسرا".
محكمة الضمير
وإزاء اضمحلال الأمكنة لمقاضاة العدوّ الإسرائيلي، يلوح في الأفق أمل بسيط يتمثّل في "محكمة الضمير" لمحاكمة قادة هذا العدو، وهي محكمة غير رسمية وتابعة للمجتمع المدني، وقد أعطت الإذن لهيئة أوروبية لبنانية لاستخدام اسمها، وإقامة محكمة تتكوّن من كبار القضاة في القارات الخمس ومن مختلف الثقافات، لتقاضي هؤلاء المسؤولين والقادة في مدينة بروكسل خلال أيّام السبت والأحد والاثنين في 15 و16 و17 كانون الأوّل/ ديسمبر من العام 2007.
وإن كانت هذه المحاكمة إعلامية وسياسية أكثر ممّا هي واقعية، إلا أنّ لها آثاراً نفسية على هؤلاء المسؤولين تعطي الصورة الواضحة عنهم، وتبقيهم أسرى جرائمهم على مدى التاريخ.
ويكشف منسّق الهيئة الأوروبية اللبنانية في لبنان الدكتور محمّد طيّ أنّ الهيئة بصدد جمع بعض الأموال لتأمين مصاريف هذه المحكمة التي تتعاطى معها حكومة فؤاد السنيورة بلا مبالاة، فلا تساعدها لإتمام مهامها، وتحجب عنها أيّ مساهمة مالية تدعم موقفها وعملها.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد 1229 ـ 24 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018