ارشيف من : 2005-2008
انتهاك السيادة الاقتصادية : اتفاقات سرية وتعهدات مشبوهة
وعسكريا وقضائيا واقتصاديا. فكانت القرارات الدولية المتتالية حول قضايا سياسية داخلية والمحكمة ذات الطابع الدولي و"اليونيفيل" ومؤتمر "باريس 3"، مقدمات لانتهاك السيادة الوطنية على مختلف المستويات.
وإذا كانت القضايا السياسية والأمنية تحظى باهتمام ومتابعة السياسيين والاعلاميين، فإن الملف الاقتصادي غاب عن واجهة الاهتمام، ما سمح للفريق الحاكم بتمرير سلسلة قرارات واتفاقات تصب كلها في سياق انتهاك السيادة الاقتصادية والمالية الوطنية.
مؤتمر "باريس 3"
يشكل مؤتمر "باريس 3" المرتكز الاساس لانعطافة الاقتصاد اللبناني باتجاه التدويل بمعناه السلبي. وأبرز ما نص عليه البرنامج الذي قدم الى "باريس 3"، زيادة الضرائب خاصة على القيمة المضافة وعلى الفوائد، ورفع الدعم عن المشتقات النفطية، مع زيادة سنوية تقدر بألف ليرة على كل صفيحة بنزين. اضافةً الى تخصيص معظم القطاعات العامة وتحرير سوق العمل، ما يعني إلغاء الحد الأدنى للأجور والسماح بالطرد غير المبرر من العمل، والتركيز على العمل المياوم وتصفية صناديق التقاعد العامة، بما فيها الضمان الاجتماعي. اذاً نحن أمام بنود تعتبر ترجمة عملية ودقيقة لسياسات اقتصادية نيوليبرالية، لكن الأخطر هو ان سيناريو الورقة الاقتصادية ستشرف عليه إلزاميا المؤسسات الدولية، وتحديدا صندوق النقد والبنك الدوليين. ونسجل هنا موافقة المجلس التنفيذي في صندوق النقد الدولي في نيسان الفائت على حوالى 76.8 مليون دولار للبنان ضمن ما يعرف ببرنامج المساعدات الطارئة لما بعد الحرب، وذلك للمساهمة في دعم البرنامج الاقتصادي للعام 2007. ويمثل هذا القرض اول اتفاقية بين لبنان وصندوق النقد الدولي، وبالتالي بداية الخضوع لشروط الصندوق والخطوة الاولى في مسيرة برنامج زمني محدد لا تستطيع اي حكومة تعديله فيما بعد.
اتفاقية الشراكة الدولية
وإذا أردنا العودة الى الماضي فلا بد من التوقف عند اتفاقية الشراكة الاوروبية التي وُقعت منذ 6 سنوات بشكل سري تقريباً وبُدئ بتطبيقها منذ عام، فأقل ما يقال عن بنودها انها تتضمن سياسات كارثية خاصةً على قطاعي الزراعة والصناعة اللذين سيعانيان من إغراق وعدم قدرة على المنافسة. ويفهم من كل هذا أننا أمام سعي دؤوب من قبل منظمات الرعاية الدولية لفتح الاقتصاد اللبناني وكشفه على الخارج.. فبرغم كون الاقتصاد اللبناني اقتصاداً صغيراً نسبياً، الا ان لبنان يشكل نقطة وثوب اقتصادي لهذه المؤسسات باتجاه الداخل العربي.
الدين الخارجي
تضاف كل هذه المعطيات الى حقيقة ان لبنان من أكثر الدول مديونية في العالم منذ العام 1998 على الأقل، والمديونية وتر حساس ومركزي يمكن اللعب عليه والاستفادة منه في قضية انتهاك السيادة المالية والاقتصادية. وفي هذا الاطار يحذر وزير المالية السابق جورج قرم من "تحويل الدين الداخلي الى دين خارجي، خاصة ان الحكومات المتعاقبة منذ العام 1992 بذلت جهودا كبيرة في هذا الاتجاه، لكنها عطلت من قبل المجلس النيابي الذي لم يوافق على التوجهات". ويضيف الوزير قرم: "ان هذه المحاولات تتكرر، ولكن من خلال صندوق النقد الدولي وباقي المنظمات الدولية التي تسعى لإدارة الدين، ما يعني السيطرة على القرار الاقتصادي والمالي".
أسرار في وزارة المالية
بدوره عضو كتلة التغيير والإصلاح النائب عباس هاشم يتخوف من سيطرة المؤسسات المالية الدولية على وزارة المالية، ويكشف عن "موافقة الحكومة على الرقابة المباشرة لهذه المؤسسات على وزارة المالية". ويعتبر ان هذا "النهج يؤسس لخرق حقيقي للإدارة النقدية في لبنان، ويقود الى مراقبة وإدارة مباشرتين من الخارج على القرار الاقتصادي". ويذكر النائب هاشم بخطة "دولرة" الدين بحجة تخفيض الفوائد ويتساءل عن "السر وراء هبوط الديون على لبنان.. علماً بأن الدائنين يدركون عدم قدرة لبنان على السداد". اما ما يسمى ثقة فيراه النائب هاشم "مجالا للسيطرة والنهب".
وحول الاتفاق الذي وقعه لبنان مع صندوق النقد الدولي يؤكد النائب هاشم "عدم معرفة النواب بتفاصيل الاتفاقات، حتى انها لم تعرض على اللجان النيابية. ويسجل عدم معرفة المشرعين اللبنانيين بما يجري في وزارة المالية من قريب او بعيد".
يضيف: "ان اعتماد السرية والكتمان يشير الى أعمال مشبوهة، خاصة ان هذه الاعمال تصدر عن سياسيين يرون في السلطة فرصة لجمع الثروة".
وماذا لو اتخذت إجراءات يصعب تغييرها او تلافي نتائجها في المستقبل؟ يؤكد النائب هاشم ان "الهم الاول بعد عودة السيادة السياسية هو استعادة السيادة الاقتصادية والمالية".
بثينة علّيق
الانتقاد/ العدد1224 ـ 24 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018