ارشيف من : 2005-2008
الاستحقاق الرئاسي: الفراغ يتقدم.. والمعارضة جاهزة للخيارات البديلة
ما زال الغموض هو سيد الموقف بشأن مصير الاستحقاق الرئاسي الذي دخلت المناورات والمعارك السياسية حوله مرحلة متقدمة مع دنو انطلاق مهلته الدستورية في الرابع والعشرين من ايلول المقبل, فإما تنحو الامور باتجاه التوافق والتسوية استنادا الى توافقات اقليمية دولية لم تتبلور معالمها بعد برغم وجود مؤشرات على هذا الصعيد، وإما تستمر سياسة "الفوضى الخلاقة" الاميركية في المنطقة وتشمل لبنان، ليتجه اذ ذاك نحو الاشتعال والخراب وسط مشهد الاشتعال الكبير في المنطقة الذي تعمل عليه الادارة الاميركية لتغطية غرقها في وحول العراق.
المعطيات التي رصدتها المصادر المتابعة خلال الأيام الأخيرة تشير الى حالة مراوحة بشأن الاستحقاق الرئاسي بانتظار انقشاع الاجواء الدولية والاقليمية التي ستنعكس حتما على الاستحقاق الرئاسي سلبا او ايجابا. وتتحدث المصادر المتابعة عن أسباب عدة لعدم التفاؤل منها:
اولا: تعثر فكرة المؤتمر الاقليمي حول لبنان، وهي الفكرة التي كان طرحها وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في القاهرة اثناء لقائه الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى ورفضتها كل من مصر والسعودية، وكان ينتظر ان يضع هذا المؤتمر أسسا لحل الازمة في لبنان، بما فيها الاستحقاق الرئاسي.
ثانيا: تفجر الخلاف السعودي السوري الذي بدأ منذ نحو سنتين سجالا عنيفا بين البلدين مؤخرا، والذي تجلى في المواقف التي أطلقها نائب الرئيس السوري فاروق الشرع والرد العنيف عليه من قبل مصدر حكومي سعودي. وترى المصادر ان هذا التفجر للخلاف سيؤثر سلبا في امكانية التوافق بشأن الاستحقاق الرئاسي في لبنان، حيث كان مأمولا بحسب المصادر تطور العلاقات الثنائية بين دمشق والرياض الى الأحسن مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، لكن الامور سارت حتى الآن في الاتجاه المعاكس، ما عقّد امكانية التوافق على هذا الاستحقاق.
داخليا كان اللافت خلال الايام الماضية هو موقف البطرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي جدد فيه تأكيده نصاب الثلثين لجلسة انتخاب الرئيس، وإعلانه في حديث لصحيفة "السفير" عدم ممانعته تعديل الدستور اذا كان انقاذ لبنان يقتضي ذلك. وكانت هذه الاشارة لمصلحة قائد الجيش العماد ميشال سليمان الذي طُرح اسمه بقوة لرئاسة الجمهورية كمرشح تسوية لفترة انتقالية مدة سنتين.
" لقاء معراب"
لكن لم يكد هذا الموقف يصدر من صفير حتى انهال فريق السلطة بالقصف السياسي على قائد الجيش رفضا لوصوله الى سدة الرئاسة كمرشح تسوية، وهو ما دفع هذا الفريق الى استخدام كل الاسلحة ضده لقطع الطريق على وصوله الى قصر بعبدا.. وهذا كان احد أهداف ترتيب لقاء لمسيحيي السلطة في مقر رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع في معراب. وبدا من خلال البيان الختامي لهذا اللقاء ومواقف جعجع التي أعقبته انه موجه ايضا ضد مواقف البطرك صفير لجهة نصاب الجلسة وإمكانية تعديل الدستور، حيث انبرى جعجع للتلويح بانتخاب الرئيس بأغلبية النصف زائد واحد، رافضا تعديل الدستور لمصلحة العماد سليمان. وهو كان بذلك يشكل منصة اطلاق مسيحية على مواقف صفير نيابة عن رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري ورئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط المتضررين من مواقف البطرك. وقد كان لافتا تعمدهما الابتعاد عن التعليق على مواقف صفير وإيكال المهمة الى مسيحيي السلطة "بقيادة" جعجع.
على ان هذا اللقاء كشف عن خلافات عميقة داخل صفوف مسيحيي السلطة، اذ غاب عنه النواب سمير فرنجية وإلياس عطالله وروبير غانم، ولم يحضره سوى تسعة نواب من فريق السلطة، أربعة منهم هم نواب القوات.
وهنا تتساءل المصادر عن سبب غياب النواب المسيحيين في كتلتي المستقبل واللقاء الديمقراطي، وهل هؤلاء النواب ليسوا مسيحيين؟
كما تلفت المصادر الى بقاء بيان معراب في سياق العموميات, وهو وإن تحدث عن آلية ترشيحات، لكنه لم يحدد هذه الآلية بالتفصيل لأنها غير موجودة اساسا، وأقصى ما حققه هؤلاء هو حصول هذا اللقاء.
"لقاء الرابية"
لقاء معراب الذي حاول تصوير نفسه على انه المرجعية المسيحية للاستحقاق الرئاسي، جاء الرد عليه سريعا عبر اللقاء الذي عُقد الثلاثاء الماضي في الرابية للأقطاب المسيحيين في المعارضة الوطنية، وشارك فيه رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون ورئيس تيار المردة النائب السابق سليمان فرنجية كممثلين للأكثرية المارونية, والنائب ميشال المر ممثلا للأكثرية الأرثوذكسية، ورئيس الكتلة الشعبية النائب إيلي سكاف ممثلا للأكثرية الكاثوليكية والأمين العام لحزب الطاشناق هوفيك ماختاريان والنائب آغوب بقرادونيان والوزير السابق سيبوه هوفنانيان ممثلين للأكثرية الأرمنية، وبذلك أكد هذا اللقاء انه يشكل المرجعية المسيحية الحقيقية للاستحقاق الرئاسي. وقد أرسل هذا اللقاء تحذيرا قويا لفريق السلطة وداعمه الاميركي من مغبة الإقدام على انتخاب رئيس للجمهورية بأكثرية النصف زائد واحد خلافا للدستور الذي ينص على نصاب الثلثين، ملوحا بحسب ما أعلن العماد عون باتخاذ اجراءات عملية لمواجهة هذا التمادي، ومتحدثا عن قرارات ستُتخذ بالتنسيق مع باقي اطراف المعارضة لمواجهة كل الاحتمالات حول الاستحقاق الرئاسي.
ووسط استمرار التهويل من قبل فريق الرابع عشر من شباط على الذهاب الى انتخاب رئيس بالأغلبية المطلقة، بقيت المعارضة مصرة على أولوية تشكيل حكومة انقاذ وطني تمهد للاستحقاق الرئاسي، فإذا جرى التوافق تسير الامور في الاطار الدستوري الطبيعي، وإذا لم يجر التوافق على رئيس تستلم هذه الحكومة مقاليد الحكم ريثما تتهيأ الظروف التي تؤمن حصول هذا الاستحقاق. وهذا المنحى شدد عليه حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تكتل التغيير النائب العماد ميشال عون.
وهذا الموضوع بالتحديد سيحاول إعادة احيائه الموفد الفرنسي جان كلود كوسران الذي عاد الى بيروت للقاء أقطاب فريقي السلطة والمعارضة بعد محادثات بعيدة عن الأضواء جرت في باريس مؤخراً، شارك فيها مسؤولون فرنسيون وإيرانيون وسعوديون، حيث استشعرت الأطراف الثلاثة خطورة عدم التوافق على الاستحقاق الرئاسي وحكومة الانقاذ ما يدخل لبنان في المصير المجهول.
وقد كثفت المعارضة مشاوراتها في الأيام الاخيرة لمواجهة كل السيناريوهات المطروحة والمتوقعة بشأن الاستحقاق الرئاسي، وهي أصبحت في مرحلة صياغة الخيار البديل الذي ستقدم عليه اذا أصر فريق السلطة ومن خلفه الولايات المتحدة على تعطيل التوافق على رئيس الجمهورية، وباتت الخيارات محصورة بين حكومة انتقالية برئاسة سياسي ماروني, وحكومة انتقالية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال سليمان، او بقاء الرئيس إميل لحود في قصر بعبدا بناءً على استشارات نيابية، وهو الاقتراح الذي تبناه الرئيس عمر كرامي كأحد الخيارات البديلة.
في هذه الاثناء كانت الولايات المتحدة تواصل تدخلها السافر في الشؤون اللبنانية، وتحديدا في مصير الاستحقاق الرئاسي، عبر إغراق الساحة الداخلية بتصريحات متناقضة حول موافقتها او رفضها تعديل الدستور. ففيما كان السفير الاميركي جيفري فيلتمان ارسل اشارات تنم عن موافقة واشنطن على امكانية تعديل الدستور في اكثر من مناسبة، جاء التصريح الاخير للمتحدث باسم الخارجية الاميركية من واشنطن ليعلن رفض تعديل الدستور، وليلحق به بيان السفارة الاميركية في بيروت، الذي أعلن رفض تعديل الدستور والالتزام بنص القرار 1559 بشأن الاستحقاق الرئاسي. وترى بعض الاوساط المتابعة ان هذا التناقض في التصريحات الاميركية حول تعديل الدستور والغموض بشأن امكانية لجوء فريق السلطة الى انتخاب رئيس بأغلبية النصف زائد واحد، متعمد ويندرج في سياق الضغط ولعبة التهويل على المعارضة، وصولا الى موعد الاستحقاق.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد1229 ـ 24 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018