ارشيف من : 2005-2008
بغداد ـ دمشق: مصالح مشتركة بعيدا عن أجندات الآخرين
بغداد ـ عادل الجبوري
قبل أيام قلائل وربما ساعات من زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى سوريا، بث راديو "سوا" العربي التابع للولايات المتحدة الأميركية خبرا قال فيه إن نائب الرئيس السوري فاروق الشرع وضع في تصريحات صحافية صيغة اشتراطية لزيارة رئيس الوزراء العراقي لدمشق.
ولأن دمشق على ما يبدو أدركت سريعا مغزى توقيت الخبر ومضمونه، فإن نفيا رسميا صدر منها على لسان متحدث باسم المكتب الصحافي للشرع، مؤكدا ان ما قاله نائب الرئيس للصحافيين يوم الثلاثاء الرابع عشر من آب/ أغسطس الجاري، هو انه "في حال تمكن المالكي من اتخاذ موقف عراقي يؤدي إلى مصالحة وطنية شاملة تؤدي الى وضع جدول زمني لإخراج القوات الأميركية، فسيجد سوريا قريبة ومستعدة للتعاون مع العراق في جميع المجالات الأمنية والاقتصادية".
وفي بغداد توقف بعض المراقبين عند التسريب الأميركي، واعتبروا ان فيه أوجه شبه مع انتقادات اميركية وُجهت الى المالكي حينما كان في طهران قبل اسابيع قليلة، وأدلى بتصريحات اشاد فيها بالدور الايراني في دعم العراق ومساندته، الامر الذي لم يرق واشنطن كثيرا.
فطهران ودمشق ما زالتا ضمن القائمة الأميركية السوداء، لذا فأي خطوات ومبادرات عراقية للتعاطي والتعامل معهما يجب ان تكون محسوبة ومفصلة على ضوء مقاسات أميركية بالدرجة الاساس وليس عراقية.
ولعل تصريحات ادلى بها السيناتور الاميركي المستقل جوزيف ليبرلمان عشية زيارة المالكي لدمشق تندرج في السياق نفسه، اذ قال في تصريحاته لصحيفة "وول ستريت جورنال" الاميركية: "ان على الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات مشددة ضد سوريا اذا لم تتحرك لوقف تدفق المسلحين القادمين إلى العراق عبر حدودها، قائلا إن مطار دمشق أصبح المحطة الرئيسة لهؤلاء المقاتلين.. وإنه لا يعقل أن يكون الرئيس السوري بشار الأسد غير قادر على فرض السيطرة على مطار دمشق الذي يعد نقطة التقاء المقاتلين الأجانب قبل دخولهم إلى العراق.. وإن ضرب قيادة تنظيم القاعدة وبنيته التحتية في العراق ستذهب سدى ما لم يغلق الصمام السوري الذي يتدفق منه الانتحاريون إلى العراق قادمين من كل دول العالم، ليفجروا الأبرياء العراقيين والجنود الأميركيين".
وقد أثار توقيت التصريحات "السلبية" مع زيارة رئيس الوزراء العراقي لدمشق، وهي الاولى لرئيس وزراء عراقي منذ الإطاحة بنظام صدام قبل أربعة أعوام ونصف العام تقريبا، جملة من التساؤلات، في الوقت ذاته الذي أثار حفيظة بعض الاوساط السياسية التي رأت ان تزامن تحرك دبلوماسي وسياسي على أعلى مستوى مع تصعيد اعلامي ـ سياسي قد لا يفضي الى النتائج الايجابية المرجوّة.
رئيس الوزراء العراقي ذهب الى دمشق بدعوة رسمية من قيادتها السياسية حاملا ثلاثة ملفات مهمة وحساسة، وعناصر التداخل في ما بينها كثيرة وكبيرة. الملف الأول هو ملف الإرهاب، والثاني ملف اللاجئين ـ أو النازحين العراقيين ـ في سوريا، والثالث التعاون الاقتصادي.
فبغداد ترى ان الأراضي السورية ـ وليس القيادة السورية ـ تمثل قناة مهمة للجماعات الارهابية للعمل في العراق، ومن تلك القناة يتدفق الأشخاص، وتتدفق الأسلحة والأموال ومختلف أنواع الإسناد اللوجيستي.
إلى جانب ذلك فإن السوريين باتوا مقتنعين الى حد كبير بعد تجربة الأعوام الأربعة في العراق وما أفرزته من أوضاع انسحب بعضها سلبيا على الدول المجاورة للعراق ومحيطه الإقليمي، أن استتباب الأوضاع في هذا البلد سيجنب الدول الأخرى ومن بينها سوريا مشاكل وأزمات قد تزحف عليها مستقبلا، والعكس صحيح. وهذا ما أشار إليه الرئيس السوري بشار الأسد بقوله إن بلاده "متأكدة من أن حالة عدم الاستقرار في العراق ستنتقل الى سوريا في حال استمرارها، وهذا ليس في مصلحة البلدين".
في الوقت ذاته فإن دمشق تعد الوجود العسكري الاميركي في العراق عاملا من عوامل عدم الاستقرار، اذ نقل عن رئيس الوزراء السوري محمد ناجي العطري قوله للمالكي: "إن وجود قوات احتلال في العراق جلب للمنطقة التطرف وأشعل دورة العنف".
ويرى الجانبان ان معالجة الأوضاع الأمنية بطريقة عملية وواقعية، الى جانب كونها تخدم الطرفين لا العراق فحسب، يمكنها أن تخفف العبء كثيرا على سوريا المطلوب منها حاليا تأمين القدر اللازم من التسهيلات لما يقارب من نصف مليون عراقي موجودين على أراضيها، إذ إن أي إنجازات في الملف الأمني ستنعكس ايجابا على ملف اللاجئين، وكذلك على ملف التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين البلدين، وخصوصا إعادة تفعيل خط أنابيب تصدير النفط العراقي، حيث أشار المتحدث الاعلامي لوزارة النفط العراقية عاصم جهاد الى وجود رغبة سورية بإعادة تأهيل الخط العراقي السوري لتصدير النفط الخام عبر أراضيها".
وبحسب ما هو معلن وما سُرّب من داخل الكواليس السياسية في دمشق، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي شهدت إبرام اتفاقات ومواثيق أمنية واقتصادية جيدة ومهمة للغاية، وقد بدت دمشق أكثر جدية في معالجة الموضوعات والقضايا المشتركة مع بغداد.
ولا شك في أن النجاح الذي حققته زيارة المالكي لدمشق يعد استكمالا للنجاح الذي تحقق خلال زيارته لكل من طهران وأنقرة قبل أسبوعين، وهو نجاح ربما لا يروق واشنطن كثيرا، بيد انه لا بد من أن يتحقق ويكون.
الانتقاد/ العدد1229 ـ 24 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018