ارشيف من : 2005-2008
بين الإعصار المكسيكي وذوبان الجليد الكندي... "آلينا" تترنح!
عن كاهلها نير التبعية لواشنطن، تبدأ أحلام إقامة الإمبراطورية الأميركية العالمية بالتحول إلى كوابيس، ويصبح من الأولى للولايات المتحدة أن تخفض سقف طموحاتها، وأن تركز اهتمامها على جارتيها القريبتين، كندا شمالاً والمكسيك جنوباً. إطار الاهتمام الجاهز هو اتفاقية التجارة الحرة في أميركا الشمالية (آلينا). الاتفاقية المذكورة ولدت عام 1989 بين الولايات المتحدة وكندا، ثم توسعت عام 1992 لتضم المكسيك، على أمل أن تواصل التوسع لتضم سائر بلدان القارة الأميركية مع بداية الألفية الثالثة. لكن الآمال التي عقدت في في هذا المجال لم تلبث أن تبددت في ظل التحولات الجيوسياسية التي نقلت معظم بلدان القارة الجنوبية إلى معسكر العداء العنيد لواشنطن، بقيادة كاسترو وشافيز وموراليس وأورتيغا وغيرهم، بعد عقود من خضوع القارة لأنظمة عسكرية وفلتان سياسي واقتصادي واجتماعي أدارته واشنطن طيلة عقود من الزمن.
في ظل هذه المعطيات، التقى الرؤساء، الأميركي جورج بوش، والكندي ستيفن هاربر، والمكسيكي فيليبي كالديرون، في بلدة مونتيبيلو الكندية الهادئة والبعيدة عن مناطق الاكتظاظ السكاني، لتجنب تظاهرات مناهضي العولمة والنيوليبرالية المتوحشة، فيما يبدو، وذلك للبحث، ليس فقط في مسائل التبادل التجاري المتعلقة باختصاص الاتفاقية، ولكن أيضاً، في مسائل التنسيق الأمني في وقت لا يكاد يمر فيه يوم من دون أن تصدر قوانين أميركية تنص على تكثيف أعمال المراقبة على الاتصالات والمواصلات عبر الحدود وفي الموانئ والمطارات، وهي أمور ذات انعكاسات مباشرة على العلاقات بين البلدان المتجاورة الثلاثة. في اليوم الأول للقمة، جرت لقاءات ثانوية بين الرؤساء على أساس أن يضمهم جميعاً لقاء مشترك كان يفترض أن يتم في اليوم التالي، أي الثلاثاء. لكن الإعصار "دين" الذي ضرب منطقة الكاريبي وسواحل المكسيك، بوجه خاص، حال دون ذلك وأجبر الرئيس المكسيكي على العودة إلى بلاده، بعد ظهر الاثنين، ولكن بعد ان كان قد تباحث مع الرئيس بوش بخصوص المسائل الأمنية ومشكلات الهجرة، على خلفية العديد من المشكلات المثارة بين البلدين منذ انضمام المكسيك إلى الاتفاقية. تلك المشكلات منها ما هو مطروح داخل أميركا حيث يقول مناصرو الاتفاقية بأنها أسهمت في خلق مئة ألف وظيفة أثناء فترة الرئيس السابق بيل كلينتون، بينما يرد معارضوها بأنها تسببت في أعمال تسريح موازية بسبب التسهيلات الممنوحة لعمليات استيراد البضائع من المكسيك، إضافة إلى استياء النقابات الأميركية من المنافسة بين بضائع مكسيكية رخيصة التكلفة ومنتجات أميركية ذات تكلفة عالية. كما أن مسألة الهجرة السرية الواسعة النطاق، برغم إقامة الجدار العازل بين البلدين، ومليارات الدولارات التي يرسلها المهاجرون المكسيكيون من أميركا إلى المكسيك، تسهم في تأجيج الانقسام الأميركي، حتى داخل الحزبين الجمهوري والديموقراطي، حول الاتفاقية. ومن المشكلات ما هو مطروح داخل المكسيك، حيث يتخوف كثير من المكسيكيين من الهيمنة الأميركية وما تشكله الاتفاقية من تهديد بتحويل المكسيك إلى "حديقة خلفية"، إضافة إلى ما تقدمه من دعم للنظام الحاكم الذي تواجهه معارضة قوية كادت تستلم السلطة في انتخابات العام الماضي. اللقاء الثنائي بين بوش ورئيس الوزراء الكندي، ستيفن هاربر، تناول مسائل المناخ والشرق الأوسط والتبادل التجاري، إضافة إلى أفغانستان، حيث تورطت كندا في حرب تعود عليها بخسائر بشرية ومادية هي الأكبر بين خسائر بلدان التحالف الدولي الأخرى. ولكن الانسجام العام الذي ساد اللقاء تعكر بسبب القطب الشمالي الذي تحول ذوبان جليده بفعل المصائب المناخية إلى مجال للرهان على الفوائد، لأن المحيط الجليدي يغطي، في ما يبدو، محيطاً من النفط، وكندا هي مع روسيا والنرويج في طليعة المستفيدين من المصيبة بسبب الجوار الجغرافي. وعليه تعتبر كندا أن المنطقة المشاطئة لحدودها هي امتداد طبيعي لأراضيها، وهو الأمر الذي يرد عليه الرئيس بوش سلباً معتبراً بأن المنطقة الجليدية ملكية دولية. وعليه أيضاً يكون المناخ، مع إعصار دين، جنوباً، وذوبان الجليد شمالاً، بمثابة الضربة الإضافية التي قد تكون قاتلة لاتفاقية التجارة الحرة ولطموحات واشنطن المصغرة في النصف الشمالي من القارة الأميركية... وسط هتافات المتظاهرين الذين طالبوا بوش بالرحيل عن كندا، وهو المطالب أصلاً، ومن قبل أكثرية مواطنيه، بالرحيل عن الولايات المتحدة.
ع.ح
الانتقاد/ العدد1224 ـ 24 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018