ارشيف من : 2005-2008

حرب الأعاصير والزلازل

حرب الأعاصير والزلازل

نفسه قائم قاعد في القطب الشمالي، وفي الحالتين تنفصل كتل ضخمة من الجليد وتسبح في مياه المحيط قبل أن تذوب مسببة غرق الجزر والشواطئ ذات الارتفاع غير الكافي في مناطق أخرى من العالم. وليس ذلك كل شيء. فالظاهرة نفسها على صلة أكيدة، على ما يقوله كثيرون من الخبراء، بتواتر هطول الأمطار الفائقة الغزارة وما يصاحبها من سيول وفيضانات وانزلاقات في التربة. كما أنها على صلة بالأعاصير. الأسبوع الماضي وحده شهد حدوث ثلاثة أعاصير مدمرة:‏

أولها إعصار "دين" الذي قارب في قوته إعصاري ريتا وكاترينا اللذين ضربا المقاطعات الجنوبية من الولايات المتحدة قبل عامين، وأحدثا خسائر هائلة في الأرواح والممتلكات. قبل ان يصل إلى شواطئ المكسيك، أوقع الإعصار "دين" ما لا يقل عن اثني عشر قتيلاً وخسائر مادية كبيرة في العديد من جزر البحر الكاريبي. وعند وصوله إلى شواطئ المكسيك، حدثت الطامة الكبرى فعلاً مع اشتداد الإعصار بحيث صنف في الفئة الخامسة (فئة الإعصار ريتا). سرعة الرياح بلغت 260 كلم في الساعة، واقتلعت في طريقها الكثير من الأشجار وسطوح البيوت ولوحات الإعلان العملاقة في منطقة يكاتان، ودمرت الكثير من المواقع الأثرية التي تعود إلى السكان الأصليين من شعب المايا. المنطقة المنكوبة هي منطقة سياحية فيها الكثير من المسابح والفنادق التي تم إخلاء أكثرها قبل وصول الإعصار، أما السياح الذين لم يمكن إخلاؤهم فازدحموا في بعض الفنادق البعيدة نسبياً عن الشاطئ بمعدل اثني عشر شخصاً في الغرفة الواحدة. الأضرار الأكبر نجمت عن ثمانية عشر ألفا من عمال وموظفي شركة النفط المكسيكية "بيمكس" التي أعلنت عن وقف كامل لأنشطتها، ما ينجم عنه توقف إنتاج 2،65 مليون برميل يومياً. أما في المناطق التي كان من المتوقع أن يصل إليها الإعصار، فتراوحت الإجراءات فيها بين أعمال الإخلاء والتحصين، حيث سمرت أبواب المحال التجارية بألواح كبيرة من الخشب، كما تم اقتلاع لوحات الإعلان المعدنية خوفاً من أن تقتلعها الرياح وتحولها إلى مقذوفات خطرة. الإجراءات الاحترازية نفسها تم اتخاذها أيضاً في ولايات خليج المكسيك الأميركية وصولاً إلى كاليفورنيا. لكن "دين" خفف من غلوائه وعاد إلى الفئة الأولى قبل أن يكمل اجتياز الشواطئ المكسيكية. ولم تتوافر بعد أرقام عن مقدار الخسائر البشرية والمادية.‏

الإعصار الثاني يحمل اسم بابوك، وقد ضرب شواطئ الفيليبين وفييتنام وأوقع عشرات الضحايا وخسائر بعشرات ملايين الدولارات.‏

الإعصار الثالث يحمل اسم سيبات، وقد ضرب شواطئ الصين الجنوبية الشرقية وأوقع عشرين قتيلاً وخسائر مادية كبيرة وأضراراً لحقت بما يزيد عن أربعة ملايين ونصف مليون من السكان، يضاف إليهم إجلاء مليون نسمة عن المناطق المنكوبة. وبالمناسبة، أكدت تقارير رسمية صينية أن الصين خسرت العام الجاري ما بين 3 و6 بالمئة من ناتجها القومي الخام بسبب الكوارث البيئية.‏

هذا لجهة الأعاصير. أما لجهة الأمطار والفيضانات والسيول فهي متواصلة في بنغلادش والهند وباكستان وأفغانستان والمناطق الشرقية من الصين، والسودان وصولاً إلى أوروبا الغربية والوسطى حيث تُلحق أضراراً بشرية ومادية متفاوتة.‏

ولم تغب الزلازل عن المشهد، حيث تعاقبت مئات الهزات الأرضية على جنوب البيرو. ما تم إحصاؤه حتى الآن، على مستوى الخسائر البشرية، بلغ 450 قتيلاً وأكثر من ألف جريح. لكن المحصلة لا تزال غير نهائية لأن البلدوزرات تعمل حصرياً على إخراج الجثث من تحت الأنقاض، ومن ثم في حفر القبور لمواراتها. ويقول المراسلون إن أعداداً غير محددة من الجثث لا تزال قابعة تحت المباني المدمرة، في وقت يتضاءل فيه الأمل بالعثور على أحياء في تلك المدن التي دمر بعضها بنسبة 70 بالمئة. كما يقولون بأن 150 شخصاً قتلوا داخل كنيسة فيما كانوا يؤدون مراسم عزاء، ولم ينج غير شخصين اثنين هما الكاهن وطفل رضيع، الأمر الذي اعتبره السكان بمثابة المعجزة. وهنالك أكثر من مئتي ألف مشرد يعانون من نقص حاد في الأغذية ومياه الشرب والأدوية. إلا أن ما هو أكثر مأساوية يتمثل في إرسال 1000 شرطي و1500 جندي في جهوزية تامة لقمع أعمال النهب التي لجأ إليها الكثيرون في ظل حالة الفوضى التي أحدثها الزلزال...‏

كل هذه الكوارث ضربت العالم خلال الأسبوع الماضي. وكوارث مشابهة ضربته في الأسبوع ما قبل الماضي والأسابيع السابقة في ما بات يبدو كحرب متواصلة تشنها الطبيعة على الإنسان، رداً بالطبع على الحرب المتواصلة التي يشنها الإنسان على الطبيعة، من خلال الاستغراق البشري المعمم في أنماط العيش القائمة على الاستهلاك العشوائي للطاقة. طائرات وقطارات وسيارات ومصانع ووسائل ترفيه منزلية كلها تعمل على الغاز والنفط والكهرباء، وكلها تحرق الأوكسيجين وتنتج غاز الكربون المسؤول عن الانحباس الحراري، المسؤول بدوره عن ثورة الطبيعة، تلك الثورة التي بات ينبغي القول بأنها حق مشروع للطبيعة في الدفاع عن نفسها أمام السلوك البشري الاستكباري والمتعجرف وغير المسؤول. بروتوكولات كيوتو الهادفة إلى الحد من الانبعاثات الغازية والتي ترفض الولايات المتحدة التوقيع عليها بحجة أنها تلحق ضرراً بنمط العيش الأميركي، لا تحل المشكلة حتى ولو طبقت من قبل جميع بلدان العالم، لأنها لا تنص إلا على تقليص محدود للانبعاثات. والرئيس بوش دعا إلى مؤتمر دولي سيعقد في أيلول/ سبتمبر المقبل ليعرض حلولاً ترقيعية وعاجزة بدورها عن حل المشكلة. وهنالك عشرات الألوف من الخبراء الذين ينكبّون، بأجور عالية، في بلدان العالم "المتقدم" على دراسة المشكلة وتخيّل الحلول، ولكن بذهنية شبيهة بذهنية ماري أنطوانيت عندما تساءلت عن السبب الذي يجعل الناس يتظاهرون من أجل الحصول على الخبز ولا يفطنون إلى أكل البسكويت. والسؤال هو حول وجود حلول حقيقية للمشكلة؟ وبالطبع هنالك من يعتقد بوجود الحلول. فقد شهد يوم الأحد الماضي بالذات اشتباكات بين 1800 شرطي بريطاني ومجموعات من المتظاهرين المحتجين على مشروع لتوسيع مطار هيثرو قرب لندن، على أساس أن الطائرة هي في طليعة الأسباب المسؤولة عن الكارثة البيئية والمناخية. لكن هنالك سؤال آخر: هل يستطيع الإنسان الاستغناء عن كل هذه الحضارة؟ الجواب قدّمه كثيرون. لكن، وبما أن الناس ما عادوا يستسيغون لغة الزهاد القدماء وما لديهم من نصوص، فقد ينبغي إرشادهم إلى نصوص جان جاك روسو أو مارتن هايدغر وغيرهم وغيرهم... والسؤال الجذري هو: أيهما أفضل للإنسان: أن يعود إلى العصر الحجري، في أسوأ التقديرات، ليرسم من هناك، وبالاستفادة من التجربة الراهنة، طريقاً آخر للتقدم، أو أن يواصل المغامرة ليموت مختنقاً في ظل الانحباس الحراري، أو غارقاً في طوفان أو سيل، أو محترقاً أو مهشماً في حطام سيارة أو طائرة، أو بأحد الأمراض البيئية المتكاثرة؟‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ العدد1224 ـ 24 آب/أغسطس 2007‏

2007-08-24