ارشيف من : 2005-2008
الصراخ اليومي الاسرائيلي : خشية من سوريا، أو تخويفاً منها؟
الوزارية المختصة بشؤون الجبهة الشمالية، التي تم تشكيلها في اعقاب الحرب الأخيرة على لبنان. وعدد الجلسات وأهمية اللجنة الفاحصة، إضافة إلى الوتيرة المتصاعدة في عددها، تدل من جملة أمور أخرى ذات ارتباط بالمسألة، ليس اقلها الصراخ اليومي والتحذير من القدرات والنوايا السورية على جر "إسرائيل" إلى حرب، ان منسوب القلق والخشية الاسرائيلية من سوريا وصل إلى حد تجاوز وعاء القلق ليصل إلى حد الخوف.
وتتبّع الشأن الإسرائيلي يظهر عدة معطيات دالة على الخوف، منها:
- تقارير يومية مستندة إلى مصادر استخبارية إسرائيلية بمعظمها، إضافة إلى تعليقات وتحليلات صادرة عن كبار المعلقين والمحللين الاسرائيليين، تظهر أن دمشق تسعى إلى تحسين قدراتها العملية العسكرية على مواجهة الجيش الإسرائيلي، سواء في هضبة الجولان وما يتجاوزها بمعنى المعركة البرية، وسواء لجهة التصدي لسلاح الجو الإسرائيلي الذي عادة ما يميل كفة مواجهات "إسرائيل" مع أعدائها لمصلحتها. ويكاد لا يمضي يوم واحد، من دون تقارير إسرائيلية تتحدث عن هذا المنحى، بدءا من الاستعداد والانتشار، مرورا بتقدير الحافزية العالية الموجودة لدى القيادة السورية، وانتهاء بالتسلح والتزود بأسلحة حديثة قادرة على مواجهة القدرات العسكرية الإسرائيلية.
- ان الإسرائيليين يقرأون حافزية مرتفعة جدا لدى الطرف السوري، وهي تلتقي مع القدرات العسكرية المجددة والمحسنة في الاونة الأخيرة، وتحديدا بعد الحرب الأخيرة على لبنان. يعني ذلك، أي التقاء الحافزية والقدرة، ان اندلاع المواجهة مع السوريين، سواء بمبادرة سورية ذاتية أو ردا على عمل عسكري اسرائيلي، يجر الطرفين إلى حرب، هي مواجهة شبه حتمية من ناحية نظرية، تنتظر ترجمة عملية لها في أي وقت.
- التقدير الإسرائيلي بما يتعلق من الخشية والقلق من الجبهة الشمالية، بما يعني حافزية منظومة الاطراف المواجهة لـ"إسرائيل" فيها (سوريا، إيران وحزب الله) يجري تعليله إسرائيليا وابتداء كجزء أساسي ومركزي في تداعيات فشل عدوان إسرائيل على لبنان، والصورة التي ظهرت فيها القدرات العسكرية الاسرائيلية. أي ان الحافزية المرتفعة لدى هذه الاطراف، وتحديدا لدى سوريا، سواء جرى تفعيلها بواسطة القدرات العسكرية المتجددة إلى حرب ام لا، متأتية اساسا من تراجع الردع الإسرائيلي ازاء هذه الاطراف، على الرغم من تنكر البعض لها، وعلى رأسهم رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود اولمرت، لاسباب خاصة ومعروفة.
- يُرصد لدى الإسرائيلي أيضا، منسوب مرتفع جدا من رسائل الطمأنة الموجهة إلى سوريا خصوصا، واخرى موجهة إلى الرأي العام الإسرائيلي في السياق نفسه، وهي رسائل تخرج الإسرائيلي عن حراكه الاعتيادي المستند إلى التعجرف والتعالي على اعدائه، بمعنى: يتوجه المسؤولون الاسرائيليون تعبيرا عن الخشية من الحافزية والقدرة السورية إلى استغلال كل فرصة ممكنة لطمأنة السوريين ان اجراءاتهم وتدريباتهم ومناوراتهم المقررة تنفيذا لعبر الفشل الاخير في لبنان، لا تعني استعدادا لشن حرب على سوريا، وهي رسائل باتت تصل إلى حد "ترجّي" دمشق ان لا تفهم حراك الإسرائيلي بالمعنى السلبي.. في نفس الوقت، يشدد الإسرائيلي امام الرأي العام الداخلي لديه، ان ليس لدى سوريا مصلحة في شن حرب على "إسرائيل" أو جرها إلى حرب على شاكلة حرب استنزاف في الجولان.
- التقارير والتصريحات الاكثر مهنية، والتي يجري نشرها من حين إلى اخر في الكيان، تظهر قراءة أكثر دقة للأوضاع على الجبهة الشمالية، أكثرها تفاؤلا لا يرى ان دمشق تسعى إلى مواجهة، لكنها في نفس الوقت تحذر من ان أي عمل يفهمه طرف من الطرفين خطأ ("إسرائيل" أو سوريا) على انه اشارة إلى نية حقيقية لشن حرب، سيؤدي بدوره إلى جرهما إلى حرب. وهو تقدير لا يخرج القلق والخشية الاسرائيلية من دائرة الخطر، ويبقيها اسيرة للهاجس المتنامي شمالا.
- من ناحية أخرى، من المفيد الاشارة الى ان التقارير الاسرائيلية التي تناولت "خلوة" الاركان العامة للجيش الإسرائيلي اخيرا، والتي خرج جزء من مداولاتها إلى العلن، لا ترتكز كما جرى بثه في الاعلام ابتداء، الى نوايا شرائية لاسلحة محددة، بما يعني تعديل في القدرات العسكرية الاسرائيلية لمواجهة حرب مقبلة، برغم انها تدخل في اطارها في سياق اعتيادي، يجري العمل عليه اسرائيليا في كل عام بناء على دراسة الموازنة العامة والمخصصات المرصودة للجيش الاسرائيلي في بنودها، لكنها هذا العام اخذت حيز اهتمام اوسع بناء على النتائج الفاشلة للحرب الاخيرة على لبنان، بحيث ان وزير الحرب الاسرائيلي الجديد ايهود باراك سيسعى الى تعزيز القدرات العسكرية البرية على حساب التعزيز الاعتيادي السنوي الذي توليه الموازنة العامة للجيش لسلاح الجو.
من ناحية اخرى، توجب المباشرة في قراءة القراءة الاسرائيلية للاوضاع على الجبهة الشمالية، وتحديدا رسائل الخشية والقلق والخوف ايضا، ان ينظر اليها كرسائل تخويف، اعتاد الاسرائيلي على تسليكها ابتداء لشن عدوانه، لكن يعاب على هذه القراءة ان الاسرائيلي بناء على عبر حرب تموز لم ينه استعداده واعادة تأهيله مجددا لخوض مواجهة جديدة يكون لديه القدرة على الحسم فيها بشكل واضح وسريع مع حزب الله، فكيف اذا كانت المواجهة تتعلق بسوريا، التي تملك قدرات تقدر بأضعاف مضاعفة قياسا على قدرات الحزب، ولا تنقصها الحافزية التي يقر الاسرائيلي بها. ان رسائل التخويف تمهيدا لا تنفع في فترة السعي للاستعداد واعادة الجهوزية، بل تحمل في طياتها نتائج معاكسة.
الانتقاد/ العدد1229 ـ 24 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018