ارشيف من : 2005-2008

مؤتمر بوش الدولي: إعادة ترتيب أولويات الصراع العربي ـ الصهيوني

مؤتمر بوش الدولي: إعادة ترتيب أولويات الصراع العربي ـ الصهيوني

وصفها بالجيران. والهدف المعلن للمؤتمر بحث القضية الفلسطينية.‏

في هذه المرحلة التي أطلق فيها الرئيس الأميركي مبادرته بالدعوة الى عقد المؤتمر الدولي، تعيش الولايات المتحدة حالة ضعف وتراجع في نفوذها وهيبتها، عكس ما كانت عليه حين دعت الى مؤتمر مدريد. والسياق المنطقي لهذا التراجع أن تفقد الولايات المتحدة القدرة على جمع الأطراف المتصارعة، الأمر الذي لا بد من أن يدعونا الى الريبة والشك والارتياب، ويدفعنا لعدم القبول بدوافع الدعوة ومقاصدها، خاصة أن جميع الأطراف يعلمون أن الموضوع العراقي والإيراني يحتل رأس أولويات بوش، بينما الملف الفلسطيني لم يحظَ يوما بأولوية لديه منذ توليه الرئاسة.‏

كيف يمكن لنا أن نفهم طبيعة الدوافع والمقاصد لهذه الدعوة؟‏

ان الأهداف الاستراتيجية الثابتة للولايات المتحدة الأميركية تتمثل بالحفاظ على الوجود العسكري المباشر والمكثف في المنطقة من أجل السيطرة على مصادر النفط، باعتباره أحد أهم وسائل وآليات التحكم في موازين القوة في النظام العالمي. والتمكين للكيان الصهيوني كقوة اقليمية باعتباره الحليف الوحيد الموثوق به في المنطقة. وهذه الأهداف تعتبر جزءا من الأمن القومي الأميركي الذي يحتاج لحماية دائمة قوامها القضاء على أي قوة ممانعة للسيطرة الأميركية أو مقاومة لها. وهذا يفرض على الإدارة الأميركية اعادة صياغة الخارطة السياسية للمنطقة، وقد حددته بما بات يعرف "الشرق الأوسط الجديد". وبات واضحا أن ايران في الادراك الأميركي هي قبلة التيارات الاسلامية المعادية للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، فضلا عن أن برنامجها النووي يمكن أن يشكل على المدى الطويل تهديدا. وفي هذا السياق يأتي التهديد الجدي بتوجيه ضربة عسكرية لإيران وسوريا، بمجرد استقرار الأوضاع في العراق.‏

غير أن الفشل الأميركي هناك أجبر الإدارة الأميركية على مراجعة خططها وتغيير أساليبها في معالجة الملفين الإيراني والسوري من دون التخلي عن أهدافها حيالهما. وهكذا استُبعد الخيار العسكري مؤقتا، وأصبح الملف النووي هو المدخل الملائم للضغط على ايران، كما أصبح الملف اللبناني هو المدخل للضغط على سوريا. ومن هنا كان التوجه لتوجيه ضربة ساحقة الى حزب الله وتدمير بنيته التحتية مقدمة لإنهاء وجوده، لأنه في الادراك الأميركي يشكل رأس حربة لإيران، ولأن الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني يعتبران ذلك خطوة ضرورية على طريق فرض "الشرق الأوسط الجديد".‏

أصبح معلوما ان العدوان الصهيوني على لبنان في تموز 2006 صهيوني من حيث التنفيذ، لكنه أميركي من حيث التخطيط والدعم الدبلوماسي والسياسي. وقد وصفت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس العدوان الهمجي بأنه "آلام المخاض لولادة شرق أوسط الجديد" لهيمنة أميركية وعربدة صهيونية بلا حدود، تمكنان من اعادة صياغة المنطقة وفق ما تقتضيه المصالح الصهيوأميركية.‏

هزيمة الكيان الصهيوني على أيدي مجاهدي المقاومة الاسلامية التي فاجأت الإدارة الأميركية وأصدقاءها، أدت بتداعياتها ومفاعيلها داخل الكيان الى أزمة وجودية عميقة تهدد مستقبله، اضافة الى عدم القدرة على حرب جديدة على المدى القريب، وفقدان القدرة على شن الحروب الخاطفة التي تشكل عماد استراتيجيته العسكرية منذ قيام الكيان.‏

ان تداعيات الهزيمة لم تنحصر في الداخل الصهيوني فقط، بل تعدته الى خلخلة الاستراتيجية الأميركية العامة في المنطقة. ما فرض على هذه الإدارة تعديلات جوهرية على تلك الاستراتيجية. ومعالم تلك التعديلات بدأت تظهر تباعا: اعتماد التصعيد في لبنان كمنع التلاقي والتوافق بين الأطراف اللبنانية، ومحاولات جر المقاومة وحلفائها الى فتنة مذهبية.‏

تعميق الانقسام بين حركتي "حماس" و"فتح" على المستوى الفلسطيني، ومنعهم من التلاقي عبر الحوار ولملمة الجراح.‏

إعادة إحياء المبادرة العربية (تجاهلتها الإدارة الأميركية والصهاينة حين اطلاقها في بيروت عام 2003) من خلال مؤتمر القمة العربية الذي عُقد في الرياض التي رعت في وقت سابق "اتفاق مكة" بين حركتي "حماس" و"فتح"، وبغض نظر أميركي لإعطاء الرياض زخما معنويا واعتباريا توظفه في الخطوات المرسومة والمتمثلة باللجنة الوزارية التي انبثقت عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة، والتي تكلفت بزيارة الكيان الصهيوني للترويج للمبادرة العربية.‏

من هنا تأتي دعوة الرئيس الأميركي لعقد المؤتمر الدولي في اطار التعديلات الجوهرية للاستراتيجية الأميركية بالتشاور مع الكيان الصهيوني، وللدلالة على ذلك ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن اقتراح الرئيس الأميركي هو "مؤتمر من انتاج "اسرائيل"، وأن زعماء "اسرائيل" راضون عن فكرة المؤتمر بدعوى أنها "فكرتنا".‏

أضف الى ذلك، أنه في أي اطار تأتي الشروط التي وضعتها الإدارة الأميركية على الأطراف المعنية؟ قال مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ولش في مؤتمر صحافي عقده في واشنطن يوم 17 تموز/ يوليو 2007، ردا على سؤال عما اذا كانت سوريا ستُدعى الى المؤتمر: "ان بوش تحدث في خطابه عن إشراك الدول التي تتبنى حل الدولتين وتنبذ العنف والإرهاب وتعترف بوجود "إسرائيل"، وتدرك أنه سيكون هناك ثمرة لهذا اللقاء".‏

انها شروط تنطبق على أصدقاء أميركا في المنطقة.. وتابع في المؤتمر الصحافي نفسه: ان مبادرة السلام العربية تقوم على "الرغبة في الجلوس ومناقشة سلام شامل، والسؤال يكمن في كيفية الوصول الى هذه النقاط".. وتابع: "اذا مضت الدول العربية بما في ذلك تلك التي لا تقيم علاقات مع "اسرائيل"، في ارسال وزرائها للتحدث مع "اسرائيل" حسبما قررت الجامعة العربية، فإن ذلك سيدعم السلام".‏

وربطا بهذا التصريح الذي يشير الى جزء من مقاصد الإدارة الأميركية من هذا المؤتمر، ومع التأمل في تطور الأحداث في المنطقة على مدى الشهور التي سبقت العدوان على لبنان في تموز، لا بد من أن يُلحظ وجود أصابع خفية كانت تدفع بعدد من الدول العربية (المعتدلة) لتصوير ايران الاسلامية الخطر الرئيس على أمن المنطقة، واستخدام كل الوسائل لتعميق التناقضات العربية ـ الإيرانية الى أقصى حد ممكن، حتى لو تسبب ذلك بإثارة النعرات المذهبية. وتصريحات بعض العرب عن هلال شيعي تقوده ايران وعن أخطاء السياسة الأميركية التي حولت ايران الى دولة اقليمية عظمى في المنطقة، واتهام هذا البعض شيعة العراق بأن ولاءهم لإيران وليس للعراق، كما وجه هذا البعض من العرب اللوم علنا الى حزب الله واعتبره مسؤولا عن اندلاع الحرب، فإذا ربطنا تصريحات الأمس ومواقف هذا البعض من العرب في بداية الحرب مع تصريحات اليوم لديفيد ولش وما تضمنه خطاب بوش في دعوته الى المؤتمر الدولي، لسهل علينا أن نكتشف أنها جميعها تندرج ضمن رؤية أميركية أساسها اقامة تحالف سني (دول الاعتدال) في مواجهة تحالف شيعي تقوده ايران ويشكل حزب الله رأس حربته في لبنان، وتتحول ايران الى مصدر خطر على تلك الدول العربية. ويدخل في هذا السياق تصريحات قادة الكيان الصهيوني في مطالبتهم حضور المملكة والتطبيع معهم، لنكون بذلك أمام مؤتمر دولي عنوانه بحث القضية الفلسطينية، ومقاصده إعادة ترتيب أولويات الصراع العربي ـ الصهيوني.‏

محمد دبورة‏

الانتقاد/ العدد1229 ـ 24 آب/أغسطس 2007‏

2007-08-24