ارشيف من : 2005-2008

الأسود لونه أبيض

الأسود لونه أبيض

تكون مع الشيء وضده في الوقت نفسه، كأن تكون مع السيادة والوصاية، أو كأن تكون مع الوصاية سيادة، ومع السيادة وصاية، وتجد من يحبذ هذا التباين، ومن يبرهن بالمنطق، وحتى بالأخلاق، أن هذا الحَوَل جائز. فكل العيون الجميلة فيها حَوَر وحَوَل.‏

بإمكانك أن تكون عربياً أميركياً من "اسرائيل" إلى الدم، وبإمكانك أن تسمي العروبة حضارية، عندما تباد العروبة، مؤيدة بالكونفيدرالية في العراق، وبالتقسيم في فلسطين وبالفتنة في لبنان، وستجد من يدافع عن عروبة التخلي، والخسارة البناءة، فالعصر يتقدم على عكازين غير متوازيين، ويسير إلى الأمام.‏

بإمكانك أن تسمي نفسك يسارياً مقيماً في صفوف اليمين، وأن تدّعي المقاومة مطالباً بسلاحها، وأن ترفع العلم اللبناني، في مؤخرة الاعلام الطائفية، وأن ترتكب السبعة وشقيقاتها وذمتها، باسم الأخلاق والقيم، وتجد من يصفق لك.‏

بإمكانك في لبنان أن تبني دولة بركام الكلام، وأن تكون ديموقراطياً مؤيداً الوراثة السياسية، أباً عن أجداد إلى أحفاد، بإمكانك أن تكون استقلالياً بأربعة وعشرين قيراطا، متوسلاً جحافل أجنبية، وعساكر أممية، ومواثيق دولية، وتجد من يفلسف ذلك مبرهناً أن الأسود أبيض.‏

بإمكانك، أن تلعن الطائفية وتؤيدها، بإمكانك ان تنطق شفتك السفلى بجملة، تمحوها عبارة تنطق بها الشفة العليا، بإمكانك أن ترى الانتصار هزيمة، وتكذب "اسرائيل" المنافقة، لأنها ادعت أنها خسرت أمام المقاومة، وتجد من يبرهن لك، أن لبنان عاد 20 سنة إلى الوراء، وأن المقاومة هوايتها الدمار.‏

بإمكانك أن تكون مع القانون والنظام والدستور وتقر بأن الاستحقاق الرئاسي، يمكن أن يحدث كيف ما كان، وبالنصف زائد واحد، من فطاحل القانون وأصحاب الفتاوى، غب الطلب من يؤيد الانتخاب بالربع ناقص ثلاثة أرباع، والمرجعية لا تحتاج إلى شهادات دالُّوز، بل إلى مقولة، الأسود لونه أبيض.‏

بإمكانك في لبنان، أن تقول ما تريد وتدعي أنك لم تقله، وتقول كلاماً تفسيره يحتاج إلى منجّم مغربي، كي يفهم اللبنانيين المقصود بالقول إن الخاسر يربح والرابح يخسر.‏

وفي الحقيقة.. سندوّخ العالم.‏

سفير أوروبي، قيد المغادرة، أسرّ لي مازحاً: أنا ذاهب من لبنان إلى النقاهة، تعبت، حالتي يرثى لها، لا تقل لي إن المرحلة الراهنة خصبة بالأحداث، هي خصبة بالجنون. إنهم يعرفون أنهم يرقصون على سقف تهتز ركائزه، ويصرون على استجلاب الراقصين من الداخل والخارج، إنهم يعرفون أنهم بهذا السلوك ذاهبون إلى الهاوية، ويصرون مع ذلك، على اقتناء أحذية تزحط على كلامهم.‏

قلت: لعلك استفدت من هذه التجربة.‏

قال: الأسود عندكم أبيض.‏

نقشت معه، ثم أردف، لا أفهمكم، هل أنتم في بلدكم أم في بلاد أخرى، أشعر أنا الأوروبي، أنني لبناني أكثر من أكثركم.‏

نفخ ما في صدره من حسرة وتوقف عن الكلام.‏

سألته: هل عشت شيئاً قليلاً في حياتك الدبلوماسية.‏

قال: باختصار شديد، المعادن عادة صلبة، إلا الزئبق فهو معدن سائل، وأكثر من عرفتهم من زعماء لبنان وسياسييه يستهوون الزئبق، انهم يريدون كل شيء معدنيا ولا يتوقفون عن الاهتزاز والرقص.‏

هذا بلد من زئبق معدنه رخو الأسود فيه أبيض.‏

قلت: لعلنا ذاهبون إلى السواد، الله ينجينا.‏

نصري الصايغ‏

الانتقاد/ العدد1229 ـ 24 آب/أغسطس 2007‏

2007-08-24