ارشيف من : 2005-2008

قرار واشنطن الحائر بين رفض تعديل الدستور والقبول به

قرار واشنطن الحائر بين رفض تعديل الدستور والقبول به

الأميركي من الاستحقاق الرئاسي، وذلك في ضوء تناقضات هذا الموقف من مسألة تعديل الدستور، فبعد أن أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس أمام قنصل السفارة اللبنانية في واشنطن أنطوان شديد أن الادارة الأميركية تعارض تعديل الدستور، أطلق السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان موقفاً نفى فيه ما قالته رايس، مؤكداً ـ في نفس الوقت ـ ان إدارته لا تعارض تعديلاً للدستور إذا ما جاء استجابة لإرادة اللبنانيين، بمعنى أن واشنطن ليس لديها موقف مبدئي من مسألة تعديل الدستور، وإنما موقفها موقف عملاني يخضع لاعتبارات المصالح الأميركية ليس إلا. هذا الموقف أكدته بدورها مصادر في الخارجية الأميركية، ليعود الناطق الإعلامي باسم الإدارة البوشية فينفيه مجدداً. هل نحن أمام تخبط أميركي، أم أمام صراع توجهات، أم أمام لعبة يراد منها فتح كل الخيارات، أم أن الموقف الأخير هو الموقف النهائي والحاسم؟‏

إن تلمس إجابة واضحة لحقيقة الموقف الأميركي، وبالتالي لتحديد معالم المرحلة المقبلة خلال الأشهر القادمة يقتضي الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:‏

أولاً: ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية من أن واشنطن حسمت خيارها لمصلحة الانسحاب من العراق بدءاً من مطلع العالم المقبل، وأن كل ما تقوم به من تحركات في المنطقة هو في سياق استراتيجية احتواء مسبقة لتداعيات هذا القرار على حلفائها في المنطقة، وخصوصاً الكيان الاسرائيلي، حيث المطلوب إحاطته بشبكة حماية سياسية وعسكرية قوامها الرئيس تطبيع العلاقات مع عرب التسوية، وتوفير تسوية حد الأدنى مع سلطة أبي مازن.‏

وأما في العراق، فمطلوب ملء الفراغ الأميركي بحضور دولي من خلال الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وتحديداً من خلال دور فاعل تقوم به باريس، مستفيدة من علاقاتها الجديدة مع إيران وسوريا لتوفير التسوية التي تكفل خروجا مشرفا للاحتلال الأميركي، وفي هذا السياق جاءت زيارة وزير الخارجية الفرنسي كوشنير الى العراق.‏

في مقابل الاستجابة الفرنسية هذه، قيل إن باريس اشترطت أن تشمل التسوية لبنان، وأن لا تلجأ واشنطن الى أي خطوات تصعيدية:‏

ثانياً: في هذا السياق جاءت مواقف البطرك صفير، الذي يبدو أنه التقط الإشارات الدولية والإقليمية، وسارع الى اعلان مواقفه من مسألة تعديل الدستور وترشيح قائد الجيش العماد سليمان لرئاسة الجمهورية، ولفترة انتقالية.‏

إلا أنه سرعان ما عمد صقور فريق السلطة وتحديداً جعجع وجنبلاط الى اطلاق مواقف تصعيدية ومهددة في آن باللجوء الى خيار انتخاب رئيس جديد، ولو بمن حضر، وخارج المجلس النيابي.‏

ثالثاً: ليس بعيداً عن مناخات التجاذبات في لبنان، السجال الحاد والعلني، ولأول مرة، بين الرياض ودمشق، والذي وإن عُمل على اطفائه سريعاً، إلا أن دلالاته واضحة للجميع، وهي أن الخلاف ما زال قائماً بين دولتين عربيتين معنيتين الى حد كبير بالوضع اللبناني.‏

رابعاً: في صلب التطورات الخاصة بالاستحقاق الرئاسي أيضاً، أخذت تتسرب معلومات عن سيناريو اميركي وبتنسيق مباشر مع جعجع وجنبلاط تحديداً بغرض توظيف القرار 1559 هذه المرة، وبدعوى أن نواب الأكثرية مهددون بالقتل، في سياق وضع الأمم المتحدة يدها على الاستحقاق الرئاسي، وهذا ما كشف عنه صراحة النائب مروان حمادة إثر لقاء له مع غير بيدرسن مؤخراً. الى أين تقودنا هذه المعطيات؟‏

هنا يمكن افتراض التالي:‏

أولاً: أن يكون قد تم التفاهم فعلاً بين واشنطن وباريس على أن تشمل التسويات كل ملفات المنطقة بما فيها لبنان، والمراد بالتسويات هنا ليس حلولاً طويلة الأمد، بل تسويات انتقالية من شأنها أن ترسم حدود استاتيكو ما لفترة تتراوح بين السنتين والثلاث.‏

إذا صح هذا الافتراض، فإن ما نشهده الآن هو نوع من لعبة تفاوض يذهب كل طرف فيها الى الحد الأقصى، لتحسين شروطه، وبالتالي مكاسبه، بمعنى آخر، أننا في مرحلة التلويح بالقفز الى الهاوية كمدخل ضروري لاستدعاء تدخلات كبيرة، تعيد انتاج المخارج الوسطية، وإن بشروط لها الأفضلية بالنسبة لكل طرف.‏

ثانياً: أن يكون التفاهم الأميركي ـ الفرنسي ليس كاملاً ولا يشمل، بالتالي، لبنان، وأن واشنطن مصرة على إبقاء كل الخيارات مفتوحة بما فيها دفع الأمور نحو الفوضى الشاملة، وذلك لحاجتها أولاً الى اشغال المنطقة والعالم بحرائق جديدة تغطي على هزيمتها في العراق، ومن ثم لتحجب الأنظار والاهتمام عن قرارها بالانسحاب، وإذا صح الرأي الذي يقول بأن واشنطن لا تضع انسحابها من العراق في سياق فشلها فحسب، وإنما في سياق قرار متخذ ويقضي بتوجيه ضربة عسكرية الى إيران، فإن حاجة واشنطن الى إيجاد وضع قادر على استنزاف معظم قواه فيه، وإشغالها عما يحضر في المنطقة سواء على الجبهة مع ايران، أم على جبهة التسوية مع الكيان الإسرائيلي، إن إيجاد هكذا وضع يصبح مطلباً حيوياً.‏

وهذا التوجه ينسجم تماماً مع مصلحة صقور فريق السلطة وتحديداً جعجع وجنبلاط، الأول ليتمكن من خطف الشارع المسيحي بالقوة والتخويف، والثاني، لأنه لم يبق له من موقع ووظيفة يؤديها سوى موقع ووظيفة مشعل الفتن، والخادم المطيع للسياسة الأميركية، ولذا، ليس بدعاً، ولا مفاجئاً أن هذين الشخصين هما الناطقان والمترجمان الفعليان لما تفكر به واشنطن، ولما تنوى القيام به.‏

وفي مطلق الأحوال، إن ما سيحمله معه السفير الأميركي فيلتمان من واشنطن سيحدد على نحو واضح التوجهات الأميركية الأخيرة، وإن كان المكتوب يقرأ من عنوانه، فمن المؤكد أن لا خير يرتجى من واشنطن مصدر الشر المحض.‏

الانتقاد/ العدد1229 ـ 24 آب/أغسطس 2007‏

2007-08-24