ارشيف من : 2005-2008
بعد أن تمسك بوش بمنطق التصعيد : أي خيار نهائي سيكون لفريق السلطة؟
كتب مصطفى الحاج علي
من الآن حتى يقول الكونغرس الأميركي رأيه النهائي في التقرير الذي يفترض أن يقدمه وزير الدفاع روبرت غيتس حول وضع الاحتلال في العراق، ومن ثم حسمه وجهة وخيارات الجدل الساخن المحتدم داخل كواليس واشنطن، وعلى صفحات الجرائد ووسائل الإعلام المختلفة، فإن ما أدلى به بوش من مواقف تضمنتها كلمته التي ألقاها في ولاية نيفادا وأمام قدامى المحاربين، ستبقى المؤشر الأبرز على الأقل على وجهة خيارات بوش.
لقد كان بوش واضحاً في إصراره على خيار البقاء في العراق، والاحتفاظ بمهمة الاحتلال حتى تحقيق ما يسميه أو يعتبره هو نصرا، وجوهر دفاع بوش عن هذا الخيار يتمثل في تكبيره الخطر الإيراني، وأن إيران ستكون هي المستفيد الأكبر، لأنها الأقدر على ملء الفراغ الذي سيتركه الاحتلال الأميركي اذا انسحب.
ودفع بوش بالخطر الإيراني إلى حدود تلامس توفير الذرائع لشن حرب على طهران، خصوصاً في كلامه عن مشروعها النووي، واحتمال انتاجها السلاح النووي، وما يحمله من تهديد للمنطقة بـ"هولوكوست" جديد.. إضافة إلى عده إيران اليوم بمثابة قلب الإرهاب العالمي.
طبعاً يمكننا استبدال كلمة الإرهاب بسهولة فائقة بكلمة المقاومة، لأن ما تعده واشنطن "إرهاباً" ليس أكثر من محاولة دولة أن تمارس سيادتها وحقوقها المشروعة التي تكفلها لها القوانين الدولية، كما أنه محاولة دول وحركات شعوب التصدي للمشروع الاستعماري الجديد الذي يقوده التحالف الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة.
وفي مطلق الأحوال، وبعيداً عن لعبة المصطلحات الأميركية الهادفة إلى تزييف طبيعة الصراع وجوهره في المنطقة، فإن خلاصة ما أدلى به بوش هو إصراره على التمسك بمنطق المواجهة، وعدم أخذ العبر والدروس واستخلاص النتائج من كل الإخفاقات التي يمرّ بها المشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة، وهو ـ بذلك ـ إنما يكون في موقع من يدفع الأمور مجدداً إلى مراحل متقدمة من التصعيد الذي ستتلقى المنطقة تداعياته ونتائجه، كل بحسب أوضاعه وقابليته وجهوزيته الخاصة.
وما يعنينا هنا هو الترجمة اللبنانية لهذا التصعيد الأميركي، ولكي نضع الأمور في سياقها، وبالتالي استخلاص الدلالات والانعكاسات المتوقعة لمواقف بوش على الساحة اللبنانية، لا بد من ملاحظة التالي:
أولاً: لقد بدت واشنطن مؤخراً مرتبكة إزاء التعاطي مع الاستحقاق الرئاسي، فتراوحت المواقف بين من لا يمانع في تعديل الدستور ومن يمانع، إلى أن حسم دافيد ولش الموقف لمصلحة الممانعين. وأكثر من ذلك ذهب بعيداً في تحديد الشروط والمواصفات المطلوبة أميركياً في الرئيس الجديد، ومؤيداً لانتخاب رئيس جديد بنصاب النصف زائد واحد.
وأقصى ما تساهل به ولش هو إجازته البحث عن اسم رئيس من خارج لائحة أتباعه في لبنان، إلى تحالف 14 شباط، لكن بشرط أن يكون له مواقف صريحة تلبي مستلزمات الشروط والمواصفات والمطالب الأميركية. إلا ان التساهل هنا شكلي فقط ليس إلا.
ثانياً: الخلاصة المتشائمة التي خرج بها الموفد الفرنسي جان كلود كوسران في جولته اللبنانية الأخيرة، حيث اكتشف مجدداً أن الحواجز ما زالت مرتفعة بين فريقي السلطة والمعارضة، وأن لا إمكان حتى الآن لفتح ثغرة قابلة للاتساع مع الوقت والجهد بين الفريقين.
وهذا ما دفع كوسران إلى نصيحة وزير الخارجية الفرنسي بتأجيل زيارته المرتقبة إلى بيروت.
ثالثاً: توقف مجمل المبادرات الدولية والعربية باتجاه لبنان على خلفية أن لا إمكان حاليا لبلورة مضمون فعلي لأي مبادرة من هذا النوع قبل تبلور الخيارات التي سترسو عليها واشنطن، ما يعني بدوره أن كل الاتصالات الأوروبية تحديداً تندرج في سياق تقديم صورة مختلفة عن صورة واشنطن تسمح للأوروبيين بصيانة وحماية مصالحهم في لبنان، خصوصاً إذا ما قررت واشنطن اعتماد خيار المواجهة فيه. وأما اذا قررت واشنطن اعتماد خيار التسوية، فتكون الاتصالات الأوروبية قد مهدت الأرضية والأجواء المناسبة لها.
رابعاً: يمكن ايجاز عناصر صورة المشهد الداخلي استناداً إلى المواقف المعلنة لمختلف الأطراف وفق التالي:
أ ـ مواقف الصقور في فريق السلطة التي يعكسها بشكل واضح كل من جعجع وجنبلاط.. هذه المواقف هي نسخة طبق الأصل في تشددها عن الموقف الأميركي الذي لا يمانع في أخذ الأمور حتى النهاية من خلال إجراء الانتخابات الرئاسية وفق نصاب النصف زائد واحد، مع ادراك هذا الفريق التام ان عدم التوافق وإجراء انتخابات كيفما كان، ستؤدي الى فوضى سياسية ودستورية وربما أمنية أيضاً في البلاد، وذلك لأن الخلفية التي ما زالت تتحكم بهذين الشخصين هي خلفيات أمراء الحرب التقسيميين، وهما لا يريان لنفسيهما مكاناً في أي تسوية تنتج توافقاً ووحدة داخلية. من هنا امتاز خطاب الاثنين مؤخراً بطابع ناري تجاه حلفائهما الذين قد لا يشاركونهما تصوراتهما. وفي هذا السياق جاء وصف جنبلاط لكل من يؤيد التسوية بالخائن، ومصدراً بحقه حكم الإعدام المعنوي والسياسي الذي بسهولة يمكن ترجمته الى عملية تصفية جسدية.
ب ـ الاتجاه الذي يعبر عنه الى حد ما النائب الحريري، والذي لا يمانع من إجراء تسوية والخروج بتوافق ما، وإن كان موقفه الأخير يبقى مرهوناً بقدرته على رسم مسافة عن الموقف الأميركي في ما لو جاء هذا الموقف مخالفاً.
ج ـ الموقف الأخير للبطرك، وقد لامس فيه حدود المخاطر التي ستندفع اليها البلاد في ما لو تمادى فريق السلطة في الذهاب الى النهاية، وصولاً الى إعلان موافقته على تعديل الدستور إذا كان هذا التعديل يفتح باب الخروج من المأزق الشامل.
خلاصة القول: نحن ما زلنا أمام ثلاثة سيناريوهات: الأول يصر على عدم التوافق وعلى إجراء الانتخابات كيفما كان، والإتيان برئيس فئوي معادٍ للقسم الأكبر من اللبنانيين مهما كلف الأمر.
الثاني لا مانع له من التوافق وإجراء تسوية ما حتى لو اقتضى ذلك تعديل الدستور.
الثالث: يفتح الباب أمام حل انتقالي، ولو من مدخل تعديل الدستور.
من الواضح ان المعارضة ما فتئت تطالب بإجراء الانتخابات في وقتها، لكن بعد التوافق على اسم الرئيس المقبل، وبالتالي فإن السيناريوهين الثاني والثالث هما الأقرب في توجههما العام الى توجه المعارضة، وبالتالي فلا مشكلة معها.
لكن اذا كانت الأمور كما تقدم، فما الذي يؤخر التفاهم وإجراء تسوية مهما كانت طبيعتها؟
إن المشكلة الرئيسية تبقى لدى فريق السلطة الذي يجب عليه أن يحسم خياراته، خصوصاً الاتجاه الراغب فيه بإجراء تسوية. وهنا تحديداً يكمن الموقف الأميركي وتدخله في الشأن اللبناني، فإذا كان بوش يعلن تمسكه بمنطق المواجهة الشاملة، فهل سيتمكن أنصار خط التفاهم في فريق السلطة الاعتراض والتقدم باتجاه المعارضة للتوافق، أم سيستسلمون للمشيئة الاميركية، ويتغلب حينئذ منطق صقور المعارضة، هذا المنطق التقسيمي بامتياز!
إن ما قاله بوش لا يبشر بالخير حتى الآن، وعلينا الانتظار المزيد من الوقت لنرى الكلمة الأخيرة التي سيقولها الكونغرس الأميركي. وفي ضوء ذلك سينتظرنا المزيد من الأيام المشحونة بالسجال الساخن.
الانتقاد/ العدد1230ـ 31 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018