ارشيف من : 2005-2008
"أقوى من بيت العنكبوت"
أفترض، أن لبنانياً ما، ينكر انتصار المقاومة في تموز، قد زار معرض "بيت العنكبوت"، المقام في ضاحية بيروت.. أفترض، أنه جرؤ على النظر بعينيه، فماذا يمكنه أن يقول، أتصوّر أنه سيقول: "اللهم اشهد أني آمنت".
إذا تخلّى عن العمى الطائفي والمذهبي، وتجرد من التحزب الأطرش، وعاين بعقله وأحسّ بقلبه، فإنه سيخرج، لبنانياً صافياً، عربياً فذاً، فلسطينياً ناصعاً، إنساناً مرصعاً، بالقيم والأمل والنبل والعطاء.
شهادتي مجروحة في "بيت العنكبوت". فعندما كتبت كتابي "لو كنت يهودياً"، الذي قرأت فيه كتابات اليهود الصهاينة في "اسرائيل" تيقنت أن الأفق الإسرائيلي مسدود، وأن الصهيوني مأزوم، وأن خلاص اليهود بإنكار الصهيونية، وإلغاء الاحتلال، وأن الخيارات الأخرى كارثية، وأنه إذا لم يعقل مأزقه، سيظل انساناً، يحفر قبر الفلسطيني ويحفر قبره معه.
شهادتي مجروحة، لأنني منذ ما قبل التحرير، طلقت اليأس، وعشت في طمأنينة الانتصار المكلف والدامي، وإن أيام روزنامتي، تتسلق المستقبل يوماً بعد يوم، ولا تتقهقر ولا تتأرجح.
انما، وبعدما دخلت المعرض، ورأيت بحواسي الخمس، عرفت أن ما أعرفه، لا يقاس بما أشاهده: ميركافا مدمرة، هليكوبتر محطمة، ناقلات جند مسحوقة، أسلحة متروكة، جنود من كل القطع والفرق تركوا خوذاتهم وأسلحتهم وولّوا هاربين إلى موتهم أو إلى حتفهم أو إلى ذعرهم.
إنما، وبعدما استمعت إلى حكايات وحكايات ونظرت إلى آيات وآيات، عرفت أنني بحاجة دائماً إلى هذا البخور الإنساني، كي أستنشق رائحة الحرية، وأغيم في روحة النفس، الى فلسطين.
وعرفت ممن كان الى جانبي من رجال ونساء وأطفال، الذين داوموا على الحج الى المعرض، أنهم حفظوا عن ظهر قلب، كل قصص المعرض، وأنهم يتحدثون عن المعارك والأسلحة، حديث العارف المختص.
طفل كان بجانبي، إبان المعرض الضوئي والصوتي، في خيمة خاصة، راح يسابق بكلامه وقائع ما يحصل، نظرت اليه وسط عتمة الخيمة، فوجدت في كلامه ضوءاً.
خرجت من المعرض، الى جانب زوجتي، صامتاً، أسئلتي كانت نادرة، كلامي لا يفصح عن شيء، فما كان في الداخل، أفصح من كلام، وما شاهدته، يقنع "توما" الذي شك بالمسيح، ولم يصدقه الا عندما وضع أصبعه في جراحه.
خرجت وفي قلبي اطمئنان اضافي، علم وإيمان وإصرار وبطولة وقدرة وتنظيم وطاقات ودراية وأفق وقيم وتواضع وكتمان ووعد صدق بالأمس وسيصدق في المستقبل أيضاً.
معارضنا العسكرية في مواقع أخرى تنبئ عن حسرة تفضح عجزنا. كنا دولاً كسيحة، أنظمة رديئة، جبهات متروكة، جنود عراة يضعون سواعدهم فوق رؤوسهم، كنا أسرى حروب، يأساً لا يوصف، يأساً لا قاع له.
عندما خرجت من المعرض قلت: وداعاً يا حزيران، لن ترى النور مرة أخرى، وداعاً أيتها النكسة. وداعاً أيتها النكبة. وداعاً أيتها الهزائم.. وأهلاً وسهلاً بزمن جديد، بقيامة جديدة، بشعانين العودة الى الحرية والوطن وهو يعلن قداسته في الروح كل لحظة.
اسرائيل القوية، العملاقة، المتفوقة، العظمى، المستألهة بالعنف، المصطفاة من أميركا والدول الكبرى.. هذه الإسرائيل، أوهن من بيت العنكبوت.
الزمن الحالي هو زمن المقاومة.
الأزمنة القادمة هي أزمنة الانتصار.
عندما خرجت من المعرض، سجلت في الكتاب المرصود: "سأعود الى فلسطين، وسأحج الى القدس، ولو بعد موتي، ولو بعد مئة عام".
علّق الحاج الشارح: مئة عام؟؟؟ كثيرة.
بالغت في تعداد السنين، زيادة في الأمل، ومهما كانت المصاعب. إنما كنت أكتم أنني سأعود اليها قريباً جداً.
نصيحة: الى الأصدقاء الذين ينكرون الانتصار أقول:
صدقوني.. الانتصار قادم. سيكون دامغاً. فلا جدوى من إنكار الانتصار السابق. آياته البينات في المعرض.
فشكراً لمن ساهم في إقامته، وأمنيتي لو نقيم في مركز الصدارة في بيروت متحفاً دائماً يتألف من ذاكرة الشهداء. ويدخل المتحف ضمن جدول البروتوكول الرسمي حيث تدرج زيارته ضمن جولة الزائرين السياسيين للعاصمة بيروت الى جانب زيارتهم للجندي المجهول.
إن شهداءنا يستحقون الاعتراف العالمي بجدارتهم الوطنية والانسانية والاخلاقية، ويستحقون كذلك التكريم الدولي من خلال موفدي الدول الى لبنان.
إنه زمن الانتصارات، واحترامها كذلك.
نصري الصايغ
الانتقاد/ العدد 1230 ـ 31 آب/أغسطس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018