ارشيف من : 2005-2008
قراءة في ظهور "فتح الإسلام" وانتشار "القاعدة" واستهداف "اليونيفيل"
قبل أن تنتهي المعارك الطاحنة بين الجيش اللبناني ومجموعة "فتح الإسلام" التي بلغ عمرها أربعين يوماً، وما تخلّلها من كشف شبكات وخلايا تابعة لتنظيم "القاعدة"، فُتح ملفّ استهداف قوّات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، وذلك تحقيقاً لتنبؤات وتوقّعات قيادات "الشباطيين"، وفي مقدمتهم سمير جعجع في غير مناسبة. هل يتحوّل صيف لبنان إلى تفجيرات متنقّلة بفعل الأداء "الشباطي" الخطير؟
وقد توقّف المراقبون عند العملية الإرهابية الأولى من نوعها التي أصابت قافلة تابعة للكتيبة الإسبانية على طريق سهل الدردارة في بلدة الخيام الجنوبية يوم الأحد في 24 حزيران/ يونيو الفائت، وذلك لما لها من دلالات جسيمة وتداعيات خطيرة على الساحة الخارجية عموماً، والساحة الداخلية خصوصاً، وتصبّ في خانة الإساءة إلى أهل الجنوب والمقاومة التي حافظت على علاقة ممتازة مع هذه القوّات منذ حضورها بُعيد الحرب الإسرائيلية الأميركية المشتركة على لبنان في شهر تموّز/ يوليو من العام 2006.
ويبدو بحسب نائب سابق في المعارضة أنّ هناك ثلاثة ملفّات متداخلة على أرض الواقع برغم أنّها مفصول بعضها عن بعض، وتتعلّق بالسياسة الأميركية وتنظيم "القاعدة" وحركة الفريق الشباطي.. ويفصّلها على الشكل التالي:
ففي الملفّ الأوّل لا يزال الأميركي في دائرة المراوحة بين قراري التسوية الكبرى والحرب الكبرى في المنطقة، وهو يعرف في قرارة نفسه أنّ ثمن التسوية مع سوريا وإيران كبير، ولذلك يبدو لبنان في زمن الانتظار وساحة للأميركيين وساحة من ساحات الحرب، ما يعني تجميد الحلول.
ويضيف هذا النائب: انّ مؤثّرات الأميركيين في لبنان لم تعد خافية على أحد، فالمبادرة الفرنسية الإيرانية السعودية المشتركة أجهضت بتدخّل واضح من إدارة جورج بوش بعدما لمست تحوّلاً في توجّهات فرنسا، وتبعتها المقابلة النارية والخارجة عن السياق العام لهذه المبادرة، التي أجراها النائب سعد الدين الحريري مع جريدة "الشرق الأوسط" السعودية، وفُهم بأنّها رسالة أميركية لإيران أنّنا خسرنا غزّة في فلسطين حيث تمكّنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" من الإطاحة بفلول الأمن المرتبط بالإسرائيليين والأميركيين على حدّ سواء، وبأنّ الرد سيكون في لبنان، فشُطبت المبادرة الدولية الثلاثية وقُضي عليها.
ويوضح النائب نفسه أنّ الغاية الأميركية جليّة وتهدف إلى تعطيل الحلول وإبقاء لبنان ساحة انتظار ساخنة ومتفجّرة إلى أن تحصل تسوية كبرى أو حرب كبرى، وخصوصاً أنّ الفريق المتشدّد في الإدارة الأميركية والمتمثّل بديك تشيني وآخرين لا يزال يحوز ضوءاً أخضر باتجاه استخدام لبنان في مشروعه الأمني السياسي القائم على الفتن والتفجير والحروب.
مخطّط "القاعدة"
أما في الملفّ الثاني، فقد صار بديهياً أنّ تنظيم "القاعدة" موجود في لبنان ويتحرّك في غير اتجاه، برغم محاولات بعض المسؤولين في الفريق الحاكم من سياسيين وأمنيين، تزوير الحقيقة والتعامي عنها بالادعاء أنّ الموجود على الأراضي اللبنانية هو "قاعدة مزوّرة"! علماً أنّ اعترافات الموقوفين من هذا التنظيم سواءٌ في التحقيقات الأوّلية لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية باختلافها، بما فيها أولئك المتستّرون على توسّع دائرة وجود "القاعدة"، أو في التحقيقات الاستنطاقية لدى قضاة التحقيق العسكري، تؤكّد بما لا يقبل الشكّ أنّهم عناصر وكوادر في هذا التنظيم المطلوب عالمياً، وتسفر عن النيّات المبيّتة من أعماله الجرمية التي ترمي إلى تحويل لبنان ساحة مواجهة لا قدرة له على تحمّل تبعاتها ونتائجها على كلّ المستويات.
ويستشهد النائب المعارض بما قاله الموفد الفرنسي جان كلود كوسران في لقاءاته في لبنان، من أنّه لم يعد مهمّاً كيف دخلت "القاعدة" إلى لبنان، سواء بتواطؤ من الفريق الحاكم أو بتسهيل من سوريا، فهي صارت خارج نطاق السيطرة في لبنان بغضَّ النظر عمن استقدمها وأمّن لها كل مستلزمات البقاء على قيد الحياة، ولم يعد من سبيل سوى مواجهتها لما تحمله في طيّات أفكارها و"عقيدتها" من تأثيرات محفوفة بالمخاطر ومصبوغة بدقّة في التخطيط البعيد المدى.
ويعتبر النائب نفسه أنّ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر من العام 2001 ليست عملاً انتقامياً، بل استهدفت مجيء الأميركيين إلى المنطقة حيث يسهل قتالهم، وهذا ما عبّر عنه وزير الخارجية الأميركية الأسبق الشهير هنري كيسنجر في محاضرة له الأسبوع الفائت بالقول: "ذهبنا إلى العراق بناءً على دعوة موجّهة لنا، ثمّ أقفلوا الباب علينا ولم نعد نعرف كيف نخرج منه".
الظواهري والحريري وهجمات أيلول
ويذكّر هذا النائب بالظهور الإعلامي المفاجئ للرجل الثاني في "القاعدة" أيمن الظواهري بعد صدور القرار الدولي رقم 1701، وتحديداً في ذكرى هجمات 11 أيلول/ سبتمبر في العام 2006، ليدعو إلى مقاتلة قوّات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، مستفيداً من تفكّك النظام الأمني والسياسي اللبناني.
ويربط النائب المذكور، كما فعل محلّلون آخرون، بين وجوب عدم استبعاد وقوف تنظيم "القاعدة" وراء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومخطّط مشبوه ومماثل لمخطّط تفجيرات 11 أيلول/ سبتمبر، علماً أنّ مشروع "القاعدة" الذي صار مكشوفاً هو إبقاء القوّات الأميركية في العراق لتبرير مقاتلتها، وبالتالي فإنّ استهداف قوّات "اليونيفيل" هو لدفع الأمم المتحدّة إلى رفع حضورها من الفصل السادس إلى الفصل السابع، مع ما يستتبع ذلك من استخدام للقوّة، فضلاً عن زيادة الحضور الدولي في لبنان لكي تصبح معركة "القاعدة" أكثر مشروعية.
وبشأن الملفّ الثالث، فهو أداء الفريق الحاكم في لبنان وتقاطعاته العربية، وخصوصاً مع مسؤول الأمن القومي السعودي الأمير بندر بن سلطان الذي يسعى إلى استثمار البعد الأميركي ودعمه غير المحدود له، وانتشار "القاعدة".
ففي البعد الاميركي استثمر الفريق الحاكم على المدى المفتوح الخيار الأميركي من أجل الإقدام على خطوات تعزّز حصانته ووجوده، وهذا واضح في إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي تحت الفصل السابع، والسعي إلى نشر قوّات دولية على الحدود اللبنانية السورية، وتحريك "اليونيفيل" تحت الفصل السابع أيضاً.
أما في موضوع "القاعدة" فلم يعد مقنعاً تعمّد الفريق الحاكم إنكارها، وقد لخص الأمر المسؤول الفرنسي كوسران عندما قال لرئيس الحكومة غير الشرعية فؤاد السنيورة: "أفهم إنكاركم وجود "القاعدة" باعتبار أنّ المشروع الغربي قائم على تفويض تيّار "المستقبل" بإدارة لبنان لتمثيله الاعتدال السنّي على حساب الشراكة الشيعية والمسيحية، وما هذه الرشوة إلا لمنع نمو التطرّف في صفوف الطائفة السنية.. ولذلك لا يمكن الاعتراف بتنظيم "القاعدة".. علماً أنّ كل التقارير والمعطيات والمعلومات تشدّد على وجودها ونموّها بشكل مطّرد.
أين النيابة وهيئة الرقابة على المصارف؟
ويسأل النائب المعارض عن تغييب المساءلة عن كيفية وصول أموال "فتح الإسلام" إلى بنك "البحر المتوسّط" المملوك من آل الحريري، ولماذا لم تتحرّك النيابة العامة التمييزية أو هيئة الرقابة على المصارف للقيام بدورهما والاستفسار من البنك المذكور برغم وجود بند في قانون تبييض الأموال يتحدّث عن مكافحة تمويل الإرهاب.
ويستحضر هذا النائب مشروع ديك تشيني والأمير بندر بن سلطان لاستيعاب مجموعة "إيران وسوريا أوبراشن غروب" التي أنشئت في الأساس لتمويل وتوفير الحصانة لكلّ المجموعات المستعدة للعمل ضدّ إيران وسوريا وحلفائهما في لبنان، وقد تلقّت بعض المجموعات الإسلامية تسهيلات من المخابرات الأردنية التي تتولّى تنسيق هذا البرنامج.
ويسخر النائب المعارض من محاولات القوى الشباطية التبرؤ من دعمها السرّي لمجموعة "فتح الإسلام" ويقول: إذا سلّمنا جدلاً بهذا التخلي، ولكن أليس لها علاقة بـ"عصبة الأنصار" و"جند الشام" المصنّفين إرهابيين لدى الأميركيين، وقد أوكلتهم حكومة السنيورة الفاقدة لأساس وجودها، إدارة الملفّ الأمني في مخيّم عين الحلوة في اعتراف غير مسبوق بميليشيات مطلوبة للقضاء وملاحقة لارتكابها غير جريمة تهدّد أمن لبنان الداخلي؟
ويعتقد النائب أنّ ما جرى في مخيّم نهر البارد هو ترجمة لقرار حلّ مجموعة "إيران وسوريا أوبراشن غروب"، ففي اليوم الذي بوشرت فيه عمليات الدهم في مدينة طرابلس، بدأت حملة الدهم في باكستان لتنظيم "جند الله" الذي يقوم بأعمال تخريبية على أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والمعلومات تقول إنّ ديفيد ولش هو من حمل بنفسه القرار للفريق الحاكم في لبنان.
وتساءل النائب عن الخلاصة التي يخرج بها من هذه القراءة المتأنية فيجيب: إذا لم يستدرك الفريق الحاكم خطورة جعل أدائه في لبنان منصّة قابلة للاستخدام من جهة الأميركي وتنظيم "القاعدة"، وهما مشروعان استراتيجيان كبيران، فإنّ لبنان ذاهب إلى فوضى كبرى.. فما يحصل يذكّر بما حدث قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، حيث كانت تصدر بيانات باسم "جبهة تحرير لبنان من الغرباء" التي كان يديرها جوني عبده، أي المخابرات الأميركية، متوقّعاً أن يكون صيف لبنان ملتهباً، لأنّه صيف التفجيرات المتنقّلة.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018