ارشيف من : 2005-2008
بعد تصدي السنيورة للتغطية على فضائح الهيئة العليا للإغاثة : المحاسب يرسب في امتحان الأرقام و"شيكات" هيئة الإغاثة برصيدين!
امتلأت سماء مكاتب الهيئة العليا للإغاثة بعد انتهاء العدوان الاسرائيلي على لبنان بدخان الفضائح والتسييس والمحسوبيات والفوضى وعدم القدرة على إدارة الأمور. وكأن كل هذه الفضائح لم تكف الفريق الحاكم، فجاء حبس التعويضات لمنكوبي العدوان محاولة مكشوفة للابتزاز السياسي، وتكشفت خبايا لم تدل سوى على إقدام فريق السلطة على اقتناص فرصة المساعدات الدولية لملء الجيوب بأكبر كمية ممكنة من الأموال المخصصة لإغاثة المنكوبين الذين لا يعلم أحد كيف كان مصيرهم لولا مبادرة حزب الله منذ البداية على دفع التعويضات.
للتذكير فقط: "بكامل الشفافية عملت الهيئة العليا للإغاثة، ومجموع ما وصل ليد الهيئة العليا للإغاثة من مساعدات مالية أو عينية لا يتجاوز نسبة عشرة في المئة من مجمل ما دخل لبنان من مساعدات عربية ودولية". كان هذا رد رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية فؤاد السنيورة على الكم الهائل من الوقائع والشهادات والتساؤلات التي شككت في سلوك الهيئة العليا للإغاثة بعيد أسابيع من وقف عدوان تموز في الرابع عشر من آب/ أغسطس الفائت.
وبرغم الانتقادات التي وجهها الخصم والصديق للسنيورة على أداء الهيئة العليا للإغاثة وبشهادة السواد الأعظم من الجمعيات الأهلية والعديد من المراقبين والصحافيين المحليين والأجانب، فإن السنيورة عاد و"استغشم" الناس مرة أخرى في مؤتمره الصحافي الأخير الذي أدى فيه استعراضاً في لعبة الأرقام، فإذا بحبل اللعبة يخونه ليسقط على خشبة الحقيقة مرة أخرى.
بدأ السنيورة لعبة الأرقام تلك تحت عنوان التعويضات وإعادة الإعمار، واسترسل في الحديث ليعرض سلسلة إنجازات صغيرة بكلفة أصغر مقارنة مع كلفة مشاريع كبرى في ملف إعادة الاعمار. واسترسل أيضاً فانتحل صفة المنجز بدل الجهات التي رعت وموّلت الانجاز من خارج الإدارات الرسمية، كما هي الحال في الجسور التي أعيد بناؤها على نفقة بعض المتمولين والمصارف، وكما هي الحال أيضاً في المدارس والمستشفيات ونزع الألغام ورفع الأنقاض التي تكفلت بها دول عربية وإسلامية عديدة.
جاء ليكحلها.. فعماها
السنيورة أوقع نفسه في فخ المغالطة، فأكد ما كشفه سابقاً نواب من كتلة الوفاء للمقاومة حول نسبة التعويضات المدفوعة لمنكوبي عدوان تموز. وتكفي مقارنة رقم الملفات المرفوعة من الضاحية الجنوبية وحدها بالنسبة للملفات المنجزة والمدفوعة، ليظهر أن السنيورة دفع حتى الآن الى ثمانية في المئة فقط من المتضررين في الضاحية. أما حينما انبرى ليعرض مصير الهبات المالية التي تسلمتها الهيئة العليا للإغاثة، فقد برز جلياً كيف فصل السنيورة بين صرف الأموال القطرية والاماراتية حتى شهر آذار 2007، وصرف الهبات الأخرى، وخصوصاً السعودية منها، هل لأن السنيورة لم يصرف بعد قرشاً واحداً من الهبة السعودية وغيرها من الهبات الواقعة بيده، أم على العكس فهو لا يريد أن يكشف أين وكيف صرفت هذه الهبات مخافة المساءلة من قبل الدول الواهبة؟ وعلى سبيل المثال، لماذا تأخر إطلاق عملية إعادة الجسر الممتد في الضاحية الجنوبية سبعة أشهر برغم تلزيمه بالمال السعودي منذ شهر تشرين الأول ألفين وستة؟ هل السنيورة فعل بهذه الهبة ما فعله بهبة أوروبية بقيمة مليون وثلاثمئة ألف دولار رفض تحويلها إلى مشاريع تنموية لرفع آثار العدوان، فحوّل المبلغ كله الى مشروعين لإنشاء مركزين صحيين وتجهيزهما في إحدى القرى الجبلية وأحد الأحياء في مدينة مليئة بالمحسوبيات؟
إلى ذلك لم يأت السنيورة على أي ذكر لمسار التعويض على أصحاب المؤسسات الاقتصادية وقطاعي الزراعة والصناعة ومالكي السيارات المدمرة، وهو التعويض الملتزمة به الهيئة العليا للإغاثة على غرار ما تم دفعه لنظراء هؤلاء في المناطق التي شهدت تفجيرات متنقلة في أكثر من منطقة في شرق بيروت والمتن الشمالي! في حين أنه استفاض في الحديث عن وصلات المياه وصيانة شبكة الاتصالات وتنظيف الشاطئ.
عودة ظاهرة الشيكات المشبوهة
من ينسى قضية الشيكات المشكوك في أمرها التي أصدرتها الهيئة العليا للإغاثة أثناء العدوان وبعده، ومنها شيك مدفوع بقيمة مئة واثني عشر مليون ليرة لبنانية لمصلحة أحد مطاعم بيروت الفاخرة، وشيكان آخران صادران من الهيئة إلى رئيسها اللواء يحيى رعد، أحدهما بقيمة سبعمئة مليون ليرة وآخر بقيمة مئة مليون ليرة؟
اليوم تضاف الى تلك الفضيحة فضيحة أخرى قوامها الشيكات أيضاً.. ففي معرض مباهاته بـ"شفافية" الهيئة العليا للإغاثة، أعلن السنيورة خلال مؤتمره الصحافي المذكور أن كل المتضررين المعوّض عليهم من الهيئة العليا للإغاثة موجودة أسماؤهم والمبالغ التي تقاضوها على موقع الهيئة الالكتروني.
لكن دعوة السنيورة للتحقق من الأسماء على الموقع المذكور تختصر الطريق نحو مزيد من الفضائح الرقمية، وتلقي مزيداً من علامات الاستفهام حول صرف أموال الهبات والمساعدات المخصصة للناس.
أشار السنيورة إلى أنه عوّض لنسبة كبيرة من ذوي شهداء الحرب، ولمعرفة المبالغ المدفوعة لأهالي الشهداء يكفي إدخال الاسم الثلاثي للشهيد أو الشهيدة لمعرفة قيمة التعويض المصروف لأهله أو ورثته. كل شيء يبدو إلى الآن طبيعياً، لكن الحقيقة السوداء تتكشف عندما تقارن التعويضات الواردة على صفحة الانترنت بالشيكات التي صُرفت فعلياً لذوي الشهداء.
على سبيل المثال تقاضت عائلة إحدى شهيدات العدوان في عيترون مبلغ عشرة ملايين ليرة بحسب الشيك الوارد من مصرف لبنان، ولكن الاسم نفسه على الانترنت تقاضى في خانة المبالغ المدفوعة عشرين مليوناً.. وهكذا دُفع لذوي الشهيدة في سجلات الهيئة العليا للإغاثة عشرون مليوناً وفي مصرف لبنان عشرة ملايين، فأين الفرق بين المؤسستين والمقدر بعشرة ملايين؟
العملية نفسها تكررت أيضاً مع عدد من الموطنين الذين تضررت منازلهم، وبحسب موقع الهيئة العليا للإغاثة قبل شهر تماماً، فإن مواطناً هُدم منزله في بلدة أنصار الجنوبية تقاضى خمسين مليوناً دفعة أولى، والباقي ثلاثون مليوناً، بينما يُظهر الشيك الوارد من مصرف لبنان والمصروف للشخص عينه، أن ما صُرف له تعويضا لم يتجاوز ثلاثين مليوناً، فأين هي الملايين العشرون المحسوبة للاسم الوارد في الشيك؟
ضياء أبو طعّام
الانتقاد/ العدد 1215 ـ 18 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018