ارشيف من : 2005-2008

كلمة برّي بذكرى إخفاء الإمام الصدر تشير إلى وجهة الاستحقاق الرئاسي

كلمة برّي بذكرى إخفاء الإمام الصدر تشير إلى وجهة الاستحقاق الرئاسي

بدأت تتضح أكثر خلال الأيام الأخيرة معالم الاستحقاق الرئاسي الذي تقدمت بشأنه علامات المواجهة على التوافق، حيث ينحو فريق السلطة لانتخاب "رئيس كيفما كان"، فيما شارفت المعارضة على وضع اللمسات الأخيرة على خياراتها البديلة دستورياً. وتتجه الأنظار اليوم إلى الموقف الذي سيطلقه رئيس مجلس النواب نبيه بري في احتفال الذكرى التاسعة والعشرين لتغييب الإمام السيد موسى الصدر في بعلبك بشأن تطورات الاستحقاق الرئاسي، وذلك لأسباب عدة.
أولاً: لأن الرئيس بري يشكل المحور الرسمي لإدارة هذا الملف، حيث بيده مطرقة الرئاسة الثانية التي بعني ضربها على منصة الرئاسة في القاعة العامة للمجلس في الخامس والعشرين من أيلول المقبل موعد الجلسة الأولى لانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، أن هذا الاستحقاق دخل برّ الأمان وحضر ثلثا أعضاء المجلس، وعلى أساسه افتتحت الجلسة بناءً على توافق مسبق. أما "إذا لم يرن جرس اكتمال نصاب الثلثين" فإن الرئيس بري سيلزم مكتبه في جناح الرئاسة إلى أن يتأمن هذا النصاب، وإذا لم يتأمن فلا جلسة، وبالتالي فإن بيد الرئيس بري ادارة العملية الدستورية لانتخاب الرئيس، وهو لن يسمح بتجاوز الدستور تحت قبة البرلمان.
ثانياً: إن الرئيس بري وانطلاقاً من موقعه الوطني وشغله منصب الرئاسة الثانية، ألزم نفسه بسلسلة من المبادرات الهادفة لإخراج البلد من أزماته السياسية، وربما يفصح عن بعض معالم مبادرته بشأن الاستحقاق الرئاسي التي ستكون "آخر العنقود" في سلسلة المبادرات الحوارية التي كان شرع في اطلاقها بدءاً من الثاني من آذار عام ألفين وستة تاريخ انطلاق مؤتمر الحوار الوطني، مروراً بمؤتمر التشاور وصولاً إلى جولة الحوار مع رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري التي انتهت إلى لا شيء، نتيجة عدم امتلاك فريق السلطة قراره وارتهانه للإدارة الأميركية التي لا تريد حلاً في لبنان.
ثالثاً: سيحدد الرئيس نبيه بري في هذه الكلمة معالم اتجاه الاستحقاق الرئاسي، فإما نحو مؤشرات التوافق وإما في الاتجاه المعاكس، حيث يفترض أن يكون قد تلقى من السفير الأميركي جيفري فيلتمان العائد من واشنطن إجابات واضحة وحاسمة عن جملة من الأسئلة التي كان حمله إياها وطلب إجابات لها تتعلق بموقف الإدارة الأميركية من الاستحقاق الرئاسي لجهة النصاب والتوافق وغيرها. فإذا جاءت الإجابات الأميركية إيجابية وبما يؤدي إلى  تسهيل التوافق في الاستحقاق الرئاسي، فإن كلام الرئيس بري سيتخذ منحى معيناً، وإذا كانت الإجابات سلبية أو ضبابية فإن الموقف سيتخذ اتجاهاً آخر. وعليه فإن كلمة الرئيس بري اليوم في بعلبك ستكون مؤشراً لما سيؤول اليه الاستحقاق الرئاسي.
وبعيداً عما سيقوله الرئيس بري فإن أكثر من مصدر معني في المعارضة يرصد توجهاً لدى فريق السلطة لانتخاب رئيس الجهورية "كيفما كان" بغطاء أميركي كامل، ما يعني إيصال البلاد إلى "الفوضى الخلاّقة" التي إذا ما تحققت فإن الإدارة الاميركية تعتبرها إنجازاً لمشروعها البديل في المنطقة. وتستبعد المصادر اتجاه الأمور نحو التسوية التي تفضي إلى توافق على الاستحقاق الرئاسي، حيث تلفت إلى أن واشنطن تعتبر نفسها تمتلك هذه الورقة، وهي عملة نادرة في يدها مع تساقط أوراق مشروعها في المنطقة. وهي بالتالي ليست مستعدة لإعطاء المعارضة في لبنان ومن ترى أنهم حلفاؤها في المنطقة وتحديداً سوريا وإيران، حلاً للأزمة في لبنان إذا لم يساعد هذان البلدان على انتشال الأميركي من وحول العراق التي غرق بها، وهو أمر لا ترى طهران ودمشق أنهما معنيتان بالقيام به، وخصوصاً مع إدارة أميركية متهالكة ورئيس أمامه عام واحد للرحيل من منصبه. وبناءً على هذا المأزق الكبير في العراق فإن الرئيس الأميركي جورج بوش سيعمل على إغراق ورقة الاستحقاق الرئاسي اللبناني معه عبر رفض أي صيغة توافقية إلا إذا قبض ثمنها أمناً لقواته المنهكة في العراق.
في هذه الأثناء كانت المعارضة تتحسب لكل السيناريوهات المطروحة للاستحقاق الرئاسي وتحضر الرد المناسب على ذهاب فريق السلطة وراعيه الأميركي نحو خيار انتخاب رئيس بأكثرية النصف زائد واحد أو بمن حضر و"كيف ما كان" وفق تعبير رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع، الذي حاول لاحقاً إعادة تجميل الكلام بعد الحملة التي تعرض لها. ولهذه الغاية فإن "مطبخ المعارضة" بدا ناشطاً هذه الأيام، وهو يحضر الصيغة المناسبة لمنع استئثار فريق السلطة بالحكم وإكمال انقلابه السياسي الكامل على الثوابت الوطنية. وعليه فإن المعلومات المتوافرة تتحدث عن اجتماعات مصغرة "لمعنيين" في المعارضة تستمر ساعات طويلة وأحياناً "حتى الصباح" في سياق إعداد خطة متكاملة حول خيارات المعارضة بشأن الاستحقاق الرئاسي، وأحياناً تتعدى تصورات المعارضة الاستحقاق الرئاسي لما هو أبعد منه وصولاً إلى المرحلة السياسية المقبلة. وإضافة إلى ما بات متداولاً من الخيارات الدستورية التي ستلجأ اليها المعارضة بالتنسيق مع رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، فإن الخيار الشعبي قد لا يكون بعيداً عن رزمة الخيارات المعدة لمواجهة مغامرات فريق السلطة بشأن الاستحقاق الرئاسي.
وبحسب المعلومات فإن المعارضة تعد نفسها لمرحلة سياسية طويلة يسودها الانقسام، وتؤكد مصادر أن المعارضة كما كانت في السابق ستبقى في المرحلة المقبلة "أم الصبي في الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع التقسيم وخيار الدويلات والإدارات المدنية"، ولن تسمح لأصحاب هذه المغامرات بالوصول إلى غاياتهم، وتحديداً رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط "المتحصن" في المختارة، والذي يبعث رسائل متوالية عن "ضرورة الإطلاق"، ورئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع "المتحصن" حديثاً في معراب وصاحب المشروع المتجذر للتقسيم، وهما قطبا فريق الرابع عشر من شباط اللذان يتصدران واجهة التوتير السياسي حالياً في ما يتعلق بالاستحقاق الرئاسي، ويدعوان لانتخاب رئيس من صفوف فريق السلطة ترفضه أغلبية اللبنانيين، وهدفهما دفع البلاد نحو المجهول، لأن أي توافق سيكون على حساب مشروعيهما. فيما تستغرب الأوساط الصمت المريب لرئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري البعيد عن الواجهة في هذه الأيام، وتتساءل ما هو موقفه مما يجري؟ وكذلك تتساءل عن حقيقة الموقف السعودي مما يجري على صعيد الاستحقاق، وهل بات ملحقاً بالموقف الأميركي التعطيلي، ولماذا جمد السفير السعودي وساطاته فجأة وغادر إلى السعودية؟ مع العلم بأن مبرر التهديدات ليس كافياً، لأن الأمر ليس جديداً وسبق أن جرى الحديث عنه سابقاً من دون أن يقدم السفير السعودي على خطوة وقف وساطته السياسية والمغادرة إلى بلاده. على أي حال ستبقى فترة الشهرين المقبلين فترة تجاذبات إلى حين الوصول إما إلى توافق على الملف الرئاسي، وبالتالي وضع البلاد على سكة الحل، وإما إلى إقدام فريق السلطة على انتخاب رئيس للجمهورية خلافاً للدستور، وبالتالي دخول البلاد في المجهول.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد1230ـ 31 آب/أغسطس 2007  

2007-08-31