ارشيف من : 2005-2008

الوضع الميداني في "البارد" يرجّح كفّة الجيش اللبناني والحسم بات وشيكاً

الوضع الميداني في "البارد" يرجّح كفّة الجيش اللبناني والحسم بات وشيكاً

دخلت الاشتباكات العنيفة والدموية في مخيّم "نهر البارد" بين الجيش اللبناني ومجموعة "فتح الإسلام"، أسبوعها السادس عشر، وقد باتت على وشك وضع حدّ نهائي للآلام التي رافقتها ونتجت عنها، كما تدلّ على ذلك جملة مؤشّرات ميدانية تصبّ في مصلحة الحسم المبرم، والقضاء على هذا التنظيم المنتج محلّياً والمموّل محلّياً أيضاً، وبدعم عربي وأميركي ظاهر للعيان والعميان على حدّ توصيف قيادي خارج على "القوّات اللبنانية"، والذي يقول لـ"الانتقاد" إنّه كان "لغماً في جيب "تيّار المستقبل" فأراد التخلّص منه لئلا ينفجر به".
ومن هذه الدلائل والمؤشرات، إخراج عائلات هذه العناصر المسلّحة من نساء وأطفال، وتوزيعها بين مسجد "دار الأرقم" في حيّ "دلاّعة" في مدينة صيدا الجنوبية، ومخيّم البدّاوي في الشمال، والمفاوضات الجارية لتسليم الجرحى والمصابين لكي يسمح لهم بالمعالجة في المستشفيات الواقعة خارج منطقة الشمال تحت حراسة مشدّدة تمنعهم من التفكير بالفرار مع اعتبارهم موقوفين لمصلحة القضاء وضمّهم إلى رفاقهم الموقوفين تمهيداً للمحاكمة المرتقبة.
فضلاً عن مقتل بعض مسؤولي الصفّ الأوّل في الاشتباكات وتصفية مسؤولين آخرين عمداً وعن سابق إصرار وترصّد مثل شهاب قدور الملقّب بـ"أبي هريرة"، وتسهيل فرار آخرين منهم إلى مكان مجهول ولكنّه آمن، لضمان سكوتهم لئلا يفضحوا الجهات المحلّية والعربية التي استقدمتهم وعزّزتهم بالمال والسلاح، وبالتالي طيّ صفحة "فتح الإسلام" بالخسائر البشرية والمادية الحاصلة.
وبحسب المتابعين لهذه الأحداث التي تفجّرت بغير المخطّط المرسوم لها، فإنّ الوضع الميداني يرجّح كفّة الجيش اللبناني الذي صار متمكّناً أكثر وأكثر من الفترة الماضية من أن يحسمها بعد خلوّ المخيّم من السكّان المدنيين، بحيث صارت تحرّكاته أسهل وضرباته أمتن وتصويباته أشدّ إيلاماً، ولا تستهدف غير من بقي من المسلّحين المتحصّنين في ملاجئ وأنفاق، على قيد الحياة، وينوون القتال حتّى الرمق الأخير مع يقينهم بأنّ الموت بات طريقهم الوحيد للخروج من هذا المخيّم المدمّر.
وليس هناك من شاهد ثابت على مناعة هذه التحصينات سوى الاعتراف الصريح الذي أدلى به أحد الموقوفين خلال مرحلة التحقيق معه، كما يفصح مصدر مطلع على التحقيقات لـ"الانتقاد"، من أنّه كان يطلق النار من دون رؤية أيّ شيء في الخارج وفي البقعة الجغرافية المحيطة به، فالمهم لديه كان إفراغ ما بحوزته من رصاصات وذخيرة وإطلاقها كيفما اتفق وبشكل عشوائي، بعكس رفاق له مولجين بمهام القنص من مسافات بعيدة وتحقيق الإصابات المباشرة في صفوف الجيش اللبناني.
وأسلوب القنص أصبح الممرّ الطبيعي لأولئك المسلّحين للتخفيف قدر المستطاع من تضييق خناق الجيش عليهم، وهذا ما يفسّر ارتفاع عدد شهداء الجيش اللبناني في الفترة الأخيرة.
وبالتزامن مع إسدال الستارة على أحداث "البارد" الحارة جدّاً، بدأت أزمة من نوع آخر وتتجسّد في كيفية إعادة النازحين من أهالي المخيّم إلى ديارهم المنكوبة والتي سوّيت بالأرض تماماً، وكيفية تأمين إيواء لهم في أقرب فرصة ممكنة وهم على أبواب بدء المدارس وفصلي الخريف والشتاء، وخصوصاً أنّ مطلبهم الأساسي والمحقّ هو في العودة سريعاً إلى المخيّم والإشراف شخصياً على إعادة إعماره وبأسلوب عمراني أفضل ممّا كان عليه في السابق.
ويجري الحديث عن بناء أماكن إيواء مؤقّتة قرب المخيّم وعلى الأراضي المحاذية له، وتكفّلت وكالة "الأونروا" بالقيام بهذا المشروع الضخم، ولكن ما يخشاه الفلسطينيون هو أن يتحوّل المؤقّت إلى ثابت ودائم لتمرير مشاريع مشبوهة تتوج بطردهم من المخيّم إلى أماكن أخرى بينها المخيّمات الأخرى في بيروت والجنوب والبقاع.
القضاء يفضح "الشباطيين"
أما قضائياً، فإنّ ادعاء النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا بوصفه مدعياً عاماً عدلياً، على تنظيم "فتح الإسلام" نزع ورقة التين عن العلاقة الجامعة بين هذا التنظيم وقوى 14 شباط/ فبراير، وكشف المستور الذي كانت هذه القوى تسعى جاهدة إلى إخفائه لإبقاء نفسها بمنأى عن المساءلة المطلوبة، وبالتالي الملاحقة القانونية كداعم أساسي لهذا الفصيل المسلّح كما عبّر عن ذلك وبشكل صريح لا لبس فيه، سياسيون وإعلاميون لبنانيون وأجانب، ومسؤولون نافذون في تيّار "المستقبل" وتحديداً في منطقة الشمال.
فقد اتضحّ من قائمة أسماء الأشخاص المشمولين بهذا الادعاء، سواء الموقوفون منهم، أو المتوارون عن الأنظار، بأنّهم من جنسيّات عربية مختلفة، وأنّ أكثرهم لبنانيون وليسوا سوريين كما أشاعت فرقة التضليل الإعلامي في قوى 14 شباط/ فبراير، لإيهام الرأي العام بأنّ من يقاتل الجيش اللبناني، ويذبح العسكريين تحت جنح الظلام، ويؤسّس "جمعية أشرار" هو صناعة سورية أحضرته الاستخبارات السورية وسهّلت قدومه عبر المعابر غير الشرعية التي تربط دولتها مع لبنان، لاستكمال مشروع تقويض دولة السيادة والاستقلال، وإنجازات "ثورة الأرز" المكتوبة بحبر أميركي.
وكان هدف "الشباطيين" التستّر على الهوية الحقيقية للتكوين البشري لمجموعة "فتح الإسلام" لئلا يفضح أمر دعمهم المالي واللوجستي لهم، سواء من خلال تقديم الرواتب الشهرية لهم، أو من خلال تغاضي الأجهزة الأمنية الرسمية التي يسيطرون عليها عن تناميهم المطّرد والمخيف، وتمهيد العبور الشرعي لهم من بوّابة مطار رفيق الحريري الدولي إلى منطقة طرابلس ومخيّم "نهر البارد" بشكل أساسي لاعتبارات مختلفة، أبرزها السيطرة السابقة لحركة "فتح الانتفاضة" القريبة من سوريا على المخيّم المذكور ما يسهّل توريط سوريا في إنشاء "فتح الإسلام"، وانتشار حركات إسلامية بعضها سلفي وقريب من المملكة العربية السعودية، ويمكن أن يحتضن قوافل الغرباء الوافدين.
وبعض اللبنانيين الموقوفين هم من "الإسلاميين السلفيين" الذين تقرّب منهم النائب سعد الدين الحريري في الانتخابات النيابية في العام 2005 وفصّل قانون عفو عن بعضهم وعلى مقاسهم، لكسب أصواتهم في الدرجة الأولى، ومن ثمّ قوّتهم البدنية ونشاطاتهم العسكرية. وأظهر نشر أسمائهم بأنّهم شاركوا في إثارة البلبلة وتخريب الوضع الأمني في لبنان وخلال مرحلة الوجود السوري، في العام 2003، وذلك من خلال انخراطهم في شبكات نفّذت أكثر من تفجير طاول مطاعم تحمل أسماء أجنبية مثل "الماكدونالدز"، والبيتزا هات"، وسوبر ماركت "سبينس" في مناطق طرابلس، والمعاملتين، وجونيه والدورة.
وعلى الرغم من انطلاق عجلات التحقيقات الاستنطاقية لدى المحقّق العدلي القاضي غسّان عويدات، مع الموقوفين، إلاّ أنّ القضاء وجد نفسه أمام مأزق اخترعته له حكومة الرئيس فؤاد السنيورة غير الميثاقية، عندما أحالت في إحدى جلساتها غير الشرعية قضيّة أحداث مخيّم "نهر البارد" على المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية في لبنان، بموجب "المرسوم المنشور في الجريدة الرسمية والنافذ حكماً" بحسب تعبيرها المخالف للأصول الدستورية المتبعة في لبنان، بعدما كان القضاء العسكري قد قطع أشواطاً متقدّمة في التحقيق فيها.
ومنشأ هذا المأزق يتمثّل في عدم وجود مكان في قصر عدل بيروت، يتسعّ لهذا الكمّ الكبير من الموقوفين لكي تجري محاكمتهم بصورة وجاهية، وبالتالي فإنّ المطلوب من أهل القضاء التفتيش عن مكان مناسب لمثل هذه المحاكمة، مع ما يترتّب على ذلك من تأمين كلّ المستلزمات الضرورية له، وفي طليعتها الحراسة المشدّدة في عمليات نقل الموقوفين من مكان التوقيف إلى مسرح المحاكمة، وفي حماية القضاة، وذلك في سبيل حصول محاكمة عادلة كما يشتهي ويتمنّى الجميع.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1230ـ 31 آب/أغسطس 2007
  

2007-08-31