ارشيف من : 2005-2008
إزالة آثار العدوان وإعادة الإعمار : قرار حكومي سياسي بالتقصير والإهمال
لا يمكن اعتبار عملية ازالة اثار عدوان تموز 2006 من قبل الحكومة الفاقدة للشرعية مجرد محطة في تجربة تاريخية طرفاها: دولة مهملة وشعب مقاوم. دولة مقصرة تفتقر للخطة التي تتناسب وحالة بلد يقع في قلب الصراع العربي الاسرائيلي. بلد يشكل منذ قيام الكيان الصهيوني الغاصب مطمعاً ثابتاً ومستمراً.

بعد معاناة طويلة عنوانها الاهمال والنسيان كان على الجنوبيين انتظار اتفاق الطائف ليحسم من هو عدو لبنان ويتبنى مقاومته كمشروع تحرير وطني. فكان تفعيل لمجلس الجنوب وكانت تجربة ازالة اثار عدوان نيسان 1996 من افضل التجارب وانجحها عندما انجزت ملفات 5000 منزل متضرر خلال شهر واحد بعد انتهاء عدوان استمر 16 يوماً.
قرار سياسي بالتهرب من المسؤولية
ما نشهده اليوم وبعد مرور اكثر من عام على عدوان تموز يتخطى سياق التعاطي التاريخي. نحن اليوم امام اداء لا يشبه ابداً اداء حكومة مسؤولة بالحد الادنى ازاء شعب وفي بلاد تعرضت لحرب وعدوان بالعنف الذي حصل.
هذا يعني دون ادنى شك اننا امام قرار سياسي اتخذ بكامل الارادة والقصد مفاده "ان الدولة غير مسؤولة وغير معنية بازالة اثار العدوان، والاموال التي ستصل ووصلت ستدخل في حساب المالية العامة". هنا يسهل تفسير رفض الحكومة غير الشرعية للمخطط التوجيهي لاعادة الاعمار الذي اعده مجلس الانماء والاعمار في الاسبوع الاخير من الحرب، وقد سبب هذا الرفض وما وراءه من قرار سياسي استقالة رئيس المجلس الفضل شلق. كما رفضت الحكومة اقتراحاً من الدول المانحة بانشاء صندوق خاص لاعادة الاعمار يضمن ذهاب الاموال الى مستحقيها. قرار الرفض هذا دفع دولا مثل الجمهورية الاسلامية الايرانية ودولة قطر للاشراف المباشر على ما تكفلت باعماره.
لغة الارقام:
للارقام الصادرة عن الحكومة الفاقدة للشرعية واداراتها دلالات. فما هو المبلغ الذي اعلنت الحكومة رسميا انها تلقته كهبات وقروض لمعالجة اثار العدوان؟ اعلن رئيس الحكومة الفاقدة للشرعية في نهاية عام 2006 ان 813 مليون دولار "صاروا عنا". واذا تتبعنا البيانات الرسمية الصادرة نستنتج التالي:
- ما وعد به لبنان هو بحدود المليارين و800 مليون دولار (70% هبات و30 % قروضا ميسرة )
- تلقت الحكومة اللبنانية مبلغ 907 مليون دولار تم دفعها كاملة ومبلغ 500 مليون دولار قيد الدفع.
نشير هنا الى ان الحكومة لم تبذل اي جهود جدية لتحصيل ما تبقى من الاموال الموعودة سواء في استوكهولم او من خلال المباحثات الثنائية مع الدول المانحة. كما لم تقم الحكومة بتوجيه المانحين للجوانب ذات الفائدة، فكان تركيز المنح على البنى التحتية مع اهمال القطاعات الملحة الاخرى كالمساكن مثلاً.
كيف صرفت هذه الامول؟
ذكر بيان رسمي صدر بتاريخ 6/7/2007 ان مجموع التعويضات التي دفعتها الحكومة للمتضررين يبلغ 467 مليار ليرة لبنانية موزعة على الشكل التالي:
- في الضاحية الجنوبية: 78 مليار ليرة لحوالى 4200 وحدة سكنية، اي ما يوازي 13% من مجموع الوحدات السكنية المستهدفة و10% من مجموع التعويضات الاجمالية، وهذا يعني ان التعويضات الكفيلة باعادة اعمار ما تهدم كلياً لم تدفع الا لعدد قليل جدا من المتضررين.
- في الجنوب: 389 مليار ليرة، اي ما يوازي ثلث التعويضات المستحقة.
- في البقاع والشمال غابت الدولة كلياً عن هذه المناطق ولم يدفع اي تعويض للمستحقين على الرغم من الاستهداف الاسرائيلي الواسع لها.
وعليه يمكن استنتاج ان ما صرفته الحكومة لاعادة الاعمار وبعد مرور عام على الحرب الاسرائيلية لا يتخطى الـ26% من الاموال التي وصلتها، فقد ظهرت ابواب اخرى ومجالات جدية لصرف هذه الاموال. فقد حسمت الحكومة عملية اجلاء الاجانب والعرب التي وصلت الى 71 مليون دولار من القروض والهبات التي قدمتها الدول المانحة. من هذه الاموال صرف ايضاً مبلغ عشرين مليون دولار لتغطية كلفة حملة اعلامية خصصتها الحكومة لشكر دول دون اخرى على المساعدات التي قدمت. هذا في وقت تعتبر الحكومة نفسها غير معنية اطلاقا بالتعويض على اصحاب المؤسسات التجارية والصناعية والمزارعين.
هوامش:
يتوقف اي مراقب لعملية اعادة الاعمار ولاداء الحكومة البطيء وغير المسؤول عند ظواهر عديدة نكتفي بذكر بعضها:
- بالمقارنة بين القرى التي تبنتها الدول المانحة مباشرة والاخرى التي تديرها الدولة, يتبين الفرق الشاسع في وتيرة العمل لمصلحة البلدات الاولى طبعاً.
- ينطبق الامر نفسه على اعمال البنى التحتية حيث انجر 565 من الجسور التي تشرف عليها الدول المانحة في حين ان جسر الدامور وهو اكبر الجسور التي تربط بيروت بالجنوب وجبل لبنان لم يتم تلزيمه الا مؤخراً، كذلك جسر الرميلة.
- اصرت الحكومة خلال النقاش الذي جرى حول كيفية اعادة اعمار المناطق السكنية المهدمة على عدم التدخل في هذه العملية وترك اصحاب المنازل المهدمة يواجهون عملية معقدة يستحيل قيامها دون منظم او وسيط.
تساؤلات مشروعة:
وبعد, هل يمكن الاطمئنان ولو بالحد الادنى لهذه الحكومة المتخلية عن مسؤولياتها الوطنية البديهية، ومتى وكيف يتم الكشف عن حقائق اعادة اعمار ما دمره العدوان الصهيوني، ومن يقوم بالمساءلة والمحاسبة؟ اسئلة برسم الوطن.
بثينة عليق
الانتقاد/ العدد1230ـ 31 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018