ارشيف من : 2005-2008

حكاية رحلتها من البستان الى القاعة الى المعجزة: شجرة شهداء بنت جبيل محجة للبنانين والعرب... والأجانب

حكاية رحلتها من البستان الى القاعة الى المعجزة:  شجرة شهداء بنت جبيل محجة للبنانين والعرب... والأجانب

جهة اخرى، فهذه الجموع التي قصدت مربع التحرير منذ 30 تموز الفائت حولت هذه الشجرة الى محجة أمّتها جنسيات مختلفة من الزوار اللبنانيين والعرب وعدد كبير من الاجانب. ووسط هذه "العجقة" التي لم تألفها بنت جبيل حتى خلال أول ايام التحرير، كان لكل زائر من هذه الجموع غايته من هذه الزيارة، فمنهم من اتى للتبرك بهذا "الاعجاز"، وآخرون ارادوا الاطلاع والتحليل قبل الحكم، فيما كان المشهد عاديا للبعض الاخر، وما بين دموع انهمرت وصلوات تليت، وصورة تذكارية وتعليق على سجل الزائرين، سجل اصحاب الاختصاص من مهندسين زراعيين رأيهم بالموضوع.‏

حكاية رحلتها من البستان الى القاعة الى المعجزة:  شجرة شهداء بنت جبيل محجة للبنانين والعرب... والأجانب

بدأت القصة في 30 تموز الفائت حين اكتشف المسؤول عن قاعة شهداء بنت جبيل ان فرع شجرة الحور اليابس قد أنبت فروعا واخضرت اوراقها بعدد شهداء مدينة بنت جبيل دون ان يمسها ماء ولا تراب وذلك برغم ان هذا الفرع مقطوع منذ اكثر من سنتين كما اكد سليمان داوود الرجل الذي اشتغل الشجرة.‏

اما الرأي الزراعي فيها فيشير اليه المهندس حسن عطوي الذي يؤكد بدايةً استثنائية هذه الحادثة، ويشرح بأن هذا النوع من الاشجار (الحور) يحتاج الى سقايته بالماء بشكل دوري كي ينبت، هذا اذا استبعدنا موضوع رشها بمواد البويا والمواد النفطية لا سيما اللكر الذي يؤدي الى سد جميع مسام البدن الخارجي للشجرة، وهو ما يؤدي الى يباس شجرة خضراء فكيف بشجرة او فرع منها هو يابس اصلا، اما الحديث عن امكانية تعرضها لرطوبة ما في مكان تخزينها، فيشير عطوي الى ان هذه الرطوبة وفي حال وجودها فهي غير كافية لانبات فروع هذا النوع من الاشجار، كما وان هذا المناطق تتميز بعدم وجود رطوبة في طقسها كما في المناطق الساحلية القريبة من البحر.‏

اما التعليقات التي سجلها زائرو هذه الشجرة على سجل الزوار فتؤكد استثنائية هذا الحدث بالنسبة للجميع، فقد اعلنت احدى المواطنات الروسيات إسلامها بعد زيارتها "الشجرة"، برغم انها كانت أعيت زوجها في محاولاته لهدايتها الى الاسلام، فيما اشارت راهبة الى وجود قديس بين الشهداء الذين علقت صورهم على الشجرة، وكانت تعليقات كثيرة مماثلة من قبل ضباط قوات الطوارئ الدولية الذين زاروا الموقع برغم وجود تحذيرات امنية مشددة تمنعهم من الحضور في الاماكن العامة، وقد سجل احدهم ما ترجمته "انها ظاهرة بيولوجية استثنائية تحمل بين طياتها شيئاً من الاعجاز، سوف أنتظر اسبوعا آخر وأعود".‏

حكاية رحلتها من البستان الى القاعة الى المعجزة:  شجرة شهداء بنت جبيل محجة للبنانين والعرب... والأجانب

كما اكد آلاف الزوار العرب انهم أتوا الى لبنان بعد سماعهم بقصة الشجرة. وقد تجاوز عدد الزائرين بحسب الحاج سمير سعد (المسؤول عن القاعة) 500 الف زائر خلال عشرين يوما، فيما لا تزال الوفود تتقاطر من الداخل والخارج لمشاهدة هذا "الاعجاز"، ما حوّل الفسحات المحيطة بهذه القاعة الى سوق تجاري صغير قصده بعض الباعة ليلتقطوا بعض الرزق الذي منته عليهم بركة هذه الشجرة.‏

ولان البعض لم يعجبه "النصر الالهي" فإنه ومن باب النكد السياسي احب ان يطلق اسم "المدينة الالهية" على بنت جبيل. و"هذا برهاننا فأتونا ببرهانكم ان كنتم صادقين" يختم احد الزوار توقيعه على السجل.‏

علي الصغير‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

صانع الشجرة يروي معجزات عديدة لشجرة بنت جبيل‏

الكثيرون يتساءلون الآن عن الرجل الذي قطع تلك "الشجرة المباركة" وصنّعها، من هو؟ كيف صنّعها؟ وما هي حكايته معها؟‏

حكاية رحلتها من البستان الى القاعة الى المعجزة:  شجرة شهداء بنت جبيل محجة للبنانين والعرب... والأجانب

هو الحاج سليمان داوود (أبو محمد) هو رجل في الستين من عمره، تقاعد من الجيش اللبناني، ويعمل بالحفر على الخشب وتركيب الآيات القرآنية منذ أكثر من 25 سنة حيث يقع مشغله في بلدة يحمر الشقيف، تصنّع فيه عُلب مصاحف خشبية، وديكورات وحفر على الخشب والتعتيق.‏

وتكمن أهمية المقابلة معه في توضيح الالتباس الذي وقع في ماهية الشجرة، ومتى قُطعت؟ ومن أين جاءت؟ وكيف وصلت إلى بنت جبيل؟‏

أخبرنا عن رحلة هذه الشجرة، وكيف وصلت للشباب في بنت جبيل وكيف قمت بتجهيزها؟‏

لقد صنّعت وحفرت آلاف الأشجار من أنواع مختلفة، ولكن هذا العرق لم أقصد قطعه تحديداً، ولم ألتفت له بداية، بل جاء بالصدفة بينهم.‏

كنت كل ستة أشهر أجلب ما بين 300 و500 شجرة، ولكن هذا الغصن (الفند) كان لفت نظري من بين مئات الأغصان منذ البداية (عندما بدأت بعملية الفرز)، حيث لاحظت أنه يُشكل لفظ الجلالة "الله". ونظراً لكبر حجمه وضعته جانباً على الإسفلت، ولما اتصل بي الشباب من بنت جبيل وسألوني عن موضوع الشجرة، فإني صُدمت عندما قالوا إن الشجرة أنبتت...!‏

أنا أتعامل عادةً مع المكتبات في بنت جبيل، ويأخذون مني لوحات خشبية، اتصلت بي أخت من المكتبة، وطلبت أن أُجهز شجرة للشهداء وأعطتني 43 اسما، فوجدت أن شجرة عادية لن تصلح، نظراً لعدد الأسماء، فتبادر إلى ذهني فوراً، هذه الشجرة، ولم يتبادر لذهني سواها والله.. فكأنها قد خلقت لهم.‏

متى كان ذلك؟‏

قبل شهرين تقريباً. حينها قمت مباشرة في تجهيز هذه الشجرة وأعطيتها الحجم المناسب ونعمتها ودهنتها بمواد عازلة.‏

متى قُطعت هذه الشجرة، وما نوعها؟‏

قُطعت الشجرة قبل حوالى سنة وثمانية أشهر، وهي شجرة حور.‏

من أي مكان قطعتها؟‏

قطعتها من بستان في منطقة الزهراني، مع العشرات مثلها موجودة للآن. مع أن هذه المنطقة لا يوجد فيها شجر الحور، هنا العجيب بالأمر، وكان هذا مدهشاً بحق، وقد التفت للأمر بعد أن بدأت بفرز الأشجار المقطوعة، فقلت لنفسي: يا عمي من أين جاءت هذه الشجرة بينهم؟! ومن أين لشجر الحور أن يكون في تلك المنطقة؟!.. وكيف لم ألتفت لها وأنا أقطعها؟، وأصبتُ بالدهشة والحيرة، ولم أجد تفسيراً لهذا حينها، أما الآن، وبعد أن حدث ما حدث، فيبدو أن يد الغيب كانت متدخلة في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهذه الشجرة منذ قطعها وحتى وصلت إلى هذه القاعة.!‏

المهم وضعتها على الإسفلت، فهي حين تكون لا تزال خضراء فلا تصلح للشغل، ولا يمكن استعمالها. وهنا بدأت هذه الشجرة تشدني إليها بطريقة لم أخبرها من قبل، فقد كانت مميزة؛ وحتى وزنها لم يكن طبيعياً.‏

حتى عندما كنت أقوم بتنعيمها تمهيداً لرشها بالمواد العازلة ودهنها، كانت رائحة زكية تخرج منها. ناديت عائلتي وسألتهم: هل من أحد أشعل بخوراً في المنزل؟ فأجابوا بالنفي، ووقفوا معي مندهشين من تلك الرائحة الطيبة غير المسبوقة، وهذه الرائحة التي كانت تخرج من الشجرة لم تمر على حاسة الشم عندي من ذي قبل. مع أنني أعرف كل أنواع البخور والمسك والعنبر والعطور على أنواعها. ولكن الرائحة التي كانت تخرج من الشجرة كانت غريبة وجديدة.‏

ماذا حصل بعدها؟‏

تابعنا العمل وثبتنا الجذع في القاعدة بواسطة برغي كبير و5 مسامير بطول 12 سنتم. تركتها 24 ساعة لتجف المواد التي على المسامير، وبعدها قمت بتنعيمها، ودهنتها بمواد كيميائية عازلة مرة ثانية لقطع الهواء عنها كي لا ينخرها السوس في المستقبل. وبعد 4 ساعات من دهن المواد العازلة قمت بوضع مادة "السلير" sealer مع "التينر" thinner على الشجرة، وبعدها بساعات دهنت الشجرة بمادة "اللكر" lacquerمضافاً إليها مادة "التينر" thinner وأخيراً قمت برش مادة "البوليريتان" polyurethaneعليها، وهذه المادة سامّة جداً، فلو رُشت على زيتونة خضراء في التراب فإنها تموت بعد ساعة، ولا تعيش مرة أخرى. وأخيراً قمت بتثبيت أسماء الشهداء التي كنت كتبتها على مُدورات خشبية، قمت بتثبيتها على الأغصان بـ43 مسمارا على عددهم، وهكذا أنهيت العمل بالشجرة وأصبحت جاهزة للتسليم.‏

كيف تلقيت الخبر، أن الشجرة اليابسة أورقت من جديد؟‏

اتصلوا بي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وسألوني عن نوع الشجرة؟ وقالوا لي إنها أنبتت، وظننت للوهلة الأولى انهم يريدون إرجاعها، وبعدها شرد ذهني وتعجبت كيف أنبتت، فسبحان الله العظيم.‏

قبل البدء بالتسجيل، قلت لي إن شخصاً زارك وأنت تعمل بالشجرة وقرأ الفاتحة، ما قصة هذا الشخص؟‏

نعم، بينما كنت أعمل في الشجرة أمام باب مشغلي الملاصق لمنزلي، توقفت أمامي سيارة (رنج) نزل منها رجل وقور مهيب، ملتحٍ، طويل القامة، عريض المنكبين، حنطي البشرة، ومعه ثلاث نساء محجبات وطفل، سلم عليّ وسألني إذا كنت أقوم بعمل شجرة لـ45 شهيدا، أجبته بلى، لـ43 شهيدا، عندها قال: فلنقرأ سورة الفاتحة 43 مرة، وفعلاً بدأ بقراءة الفاتحة بصوت شجي وكذلك النساء اللواتي كنّا معه، والطفل أيضاً، وانتبهت لنفسي أني أقرأ معهم من حيث لا أدري...!‏

ولا أعرف كيف وصل إلى منزلي أصلاً! مع أن منزلي ليس على طريق عام، ولا يأتي إليه إلا من قصده، لأنه يقع في آخر البلدة..!‏

لم أسأله من أين جاء وماذا يريد. لم أستطع الكلام حينها أصلاً، حيث أصابتني حالة غريبة عجيبة، كأني غادرت الزمان والمكان، وصرت في عالم آخر. وعندما انتهى من القراءة، سلّم عليّ وذهب.‏

وماذا عن الرؤيا؟‏

حصل هذا قبل أن أبدأ بصنع الشجرة، جاءني (أحدهم) في المنام، وقال: يا فلان.. عما قريب ستقوم بعمل شجرة وسيكون لها صدىً كبير...!‏

أجرى المقابلة: محمد حسين بزي‏

الانتقاد/ العدد1230 ـ 31 آب/أغسطس 2007‏

2007-08-31