ارشيف من : 2005-2008

دولة صاحب الزمان : العدالة المطلقة

دولة صاحب الزمان : العدالة المطلقة

الحديث عن معالم دولة الإمام المهدي(ع) ـ الدولة التي لا أحد يدري متى تأتي، ربما قريباً، وربما بعيداً ـ هذا الحديث ليس مجرد فضول علمي، ولا نزعة فطرية لاكتشاف المجهول، وإنما هو أمر يرتبط بحركتنا المعاصرة والمسارات العقائدية والسياسية التي اخترناها، إلى أين تنتهي؟ ومن هو المنتصر؟ ومن هو صاحب الرؤية الصحيحة؟ ومتى ستنتهي هذه المعاناة البشرية؟ وكيف ستنتهي؟
كل هذه الأسئلة تلقي بظلالها على طبيعة العقيدة، وطبيعة المسارات والمناهج التي نختارها لحياتنا، ومن أجل ذلك فإن كل عقيدة تحاول أن ترسم صورة ذلك المستقبل، ومعالم تلك الدولة العالمية بما يتناسب مع تلك العقيدة.
فالمسلمون يرون أن الإسلام هو الذي سيؤسس تلك الدولة، وسيقودها واحدٌ من ذرية رسول الله (ص)، وأنها تختص بجملة خصائص لم تعرفها دولة سابقة في تاريخ البشرية. وأبرز هذه الخصائص:
العالمية: إن دولة الإمام المهدي (ع) في ضوء ما هو ثابت من النص الديني هي دولة عالمية، تسقط فيها الحواجز القومية، وتتوحد فيها الملل البشرية. متجاوزة حدود اللغات، والأعراق، والتضاريس.
هي دولة الأرض كلها كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم بالقول: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ).
وجاء عن الإمام علي (ع) قوله:
"يبعث الله رجلاً في آخر الزمان.. يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، لا يبقى كافر إلا آمن ولا طالح إلا صَلُح".
الإسلامية: إن دولة الإمام المهدي (ع) هي دولة تقوم على أساس الإسلام، الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله (ص)، إسلام القرآن وحده. وفي هذا الإسلام سوف تدخل جميع البشرية، ويعم نوره كل الأرض.
ورغم أن بعض النصوص تؤكد أنه يأتي (بدين جديد) إلاّ أن مراجعة دقيقة لكل تلك النصوص توضح أن المقصود هو الإسلام نفسه، لكنه حيث كان غريباً على الناس يومئذ فأضحى كأنه دين جديد.
نقرأ في هذا الصدد بعض الروايات:
عن محمد قال: سألت أبا جعفر والباقر (ع) عن القائم إذا قام بأي سيرة يسير في الناس؟
قال: بسيرة رسول الله (ص) حتى يظهر الإسلام.
قال: وما كانت سيرة رسول الله (ص)؟
قال: أبطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم (ع) إذا قام يبطل ما كان في الهدنة مما كان في أيدي الناس ويستقبل بهم العدل.
 ـ عن عبد الله بن عطا قال: سألت أبا جعفر الباقر (ع) فقلت: إذا قام القائم (ع) بأي سيرة يسير في الناس؟
فقال: يهدم ما قبله كما صنع رسول الله (ص)، ويستأنف الإسلام جديداً.
العدالة المطلقة: النصوص الدينية التي تحدثت عن سمات دولة الإمام المهدي (ع) ومعالمه، أكدت وكررت أن العدالة هي عنوان تلك الدولة وغايتها.
فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (ص): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً مني يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً.
الازدهار الاقتصادي: ومن أبرز معالم دولة الإمام المهدي (ع) هو الازدهار الاقتصادي، حيث يزول التفاوت الطبقي الفاحش، كما يزول الفقر والحرمان، وتعمّ ظاهرة الثراء والغنى لمختلف شرائح الناس.
ويظهر من الروايات الشريفة أن ذلك يعود إلى صلاح الناس وإيمانهم الذي يستنزل رحمة الله وعطفه على العباد كما في قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَْرْضِ).
وعن الإمام علي (ع): "ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم، حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلا على نبات. وعلى رأسها زنبيلها لا يهيجها سبع ولا تخافه. والعبارة الأخيرة تدل دلالة واضحة على خاصية أخرى من خصائص هذة الدولة المباركة وهي استتباب الأمن أو انقطاع مصادر الرعب والقلق.
الديمومة: تفيد الروايات الدينية الصحيحة أن عمر دولة الإمام المهدي (ع) أطول من عمر الإمام نفسه، وهو عمر يمتد إلى نهاية عمر البشرية ومن خلال أئمة هدى صالحين، مهديين واحداً بعد واحد. ونقرأ في هذا السياق النصوص التالية:
ـ عن الإمام الجواد (ع) عن رسول الله (ص) في حديثه عن المهدي (ع) ان الله تعالى قال: (ولأنصرنه بجندي، ولأمدنّه بملائكتي، حتى يعلن دعوتي، ويجمع الخلق على توحيدي، ثم لأديمنّ ملكه ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة).
 ـ وعن أبي بصير يقول قلت للصادق (ع): يا بن رسول الله سمعت من أبيك انه قال: يكون بعد القائم اثنا عشر مهدياً.
قال: إنما قال اثنا عشر مهدياً ولم يقل اثنا عشر إماماً، ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا.
أما الروايات التي نقرأ فيها أن عمر دولة الإمام (عج) سوف لا يستغرق أكثر من سبع سنين، أو تسع عشرة سنة أو أربعين سنة، أو سبعين سنة، فلا تستقيم مع منطق الامور ولا تستسيغها الفطرة السليمة. إذ لا يعقل في مقابل آلاف بل ملايين السنين من الفساد في الارض وسفك الدماء التي مرّت على البشرية أن يكون عمر دولة العدل والرفاه الموعودة فقط بضع سنين أو بضع عشرات من السنين. 
يضاف إلى ما تقدّم من خصائص الدولة المهدوية أن هذه الدولة ستشهد ثورة ثقافية وعلمية هائلة لا يقاس بها شيء مما عرفته البشرية من ثورات مماثلة. ولن تقتصر على ما يسمونه "النخب المثقفة" بل ستشمل أبناء المجتمع جميعاً:
 عن أبان عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:
"العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس، وضمّ إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً".
وعن الإمام الباقر (ع): "كأني بدينكم هذا لا يزال مولياً يفحص بدمه ـ بقدميه ـ ثم لا يردّه عليكم إلا رجل منّا أهل البيت ـ وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله وسنة رسول الله (ص)".
اسماعيل زلغوط
الانتقاد/ العدد1230ـ 31 آب/أغسطس 2007
  

2007-08-31