ارشيف من : 2005-2008
الإمام السيد موسى الصدر: العالم المجتهد والمفكّر الملهم
بقلم الشيخ خليل رزق
يكتب التاريخ على صفحاته المشرقة أمجاد الأمم والشعوب التي يصنعها رجال عبروا فيه وأطلّوا منه ليضيئوا سماء الدنيا ويزينوها بمصابيح العلم والمعرفة والبذل والعطاء والجهاد في كل الميادين.
وقدر هذا التاريخ أن تطوى صفحاته وتنسى ذكرياته المكتوبة بأحرف النور لتطوي معها وتظلم بعض أولئك الذين كان من الواجب أن يخلد ذكرهم ويبقى اسمهم.
وأن تخفى شمس موسى الصدر خلف الغيوم، لا يعني أنها أطفئت وخمدت نيرانها.. لا يعني أنها رحلت عن سمائنا.. فالشمس يبقى ضوئها ونورها ودفئها حتى ولو غيبها السحاب واختفت خلف النجوم.
فهو الذي علمنا أن نتمرد على الممنوع، وأن نقتل عامل الخوف الذي كان يسكن قلوبنا، وأن نهدم حاجز الذلّ الذي أحاط منازلنا وقرانا بالحرمان والجهل.
في أوائل الستينات أطلّ الإمام السيد موسى الصدر قادماً من الأفق البعيد حاملاً معه مشاعل النور والهداية، وهموم الرسالة وأعباء القضية.. نظر إلى شعب لبنان الغارق في وحول الظلم ومستنقع الحرمان، فأبى إلا أن يكون السيف المصلت على رقاب أعداء هذا الشعب والوطن والمعتدي على حقوقه والغاصب لأرضه ومجده.
رفع لواء الدفاع عن المحرومين والوقوف في وجه مخططات العدو الصهيوني ومحاولاته احتلال أراضي الجنوب اللبناني، والاعتداءات المتكررة ضد شعبه وأرضه، واحتلت القضية الفلسطينية أول اهتماماته، وكانت أحلامه الكبرى وآماله هي وحدة لبنان أرضاً وشعباً، فاحتضن بعباءته المباركة كل الطوائف وحماها بعمّته السوداء حتى صار النموذج والقدوة والمثال الذي لم ير شعب لبنان والعالم نظيراً له في القيادات التاريخية الماضية والحاضرة.
جاء موسى الصدر من أقصى المدينة يسعى فكان الشجرة المباركة الطيّبة، وأصلها ثابت وفرعها في السماء، سليل المجد من منبع الطهر.. أخذ كلّ المدى فشخصت اليه الأبصار، وهفت اليه القلوب التي طالما حلمت بهكذا قائد بعد التجارب المضنية مع رجال السياسة في لبنان وورثة الإقطاع الذين أسكنوا الوجع في القلوب، وحرموا الشفاه الذابلة من الابتسامة، فأذابوا الأحلام وأضاعوا آخر فرصة للأمل بمستقبل واعد بالخير والسعادة.
عرف اللبنانيون والعرب والمسلمون الإمام موسى الصدر كقائدٍ سياسي ولم تسمح الظروف والأوضاع التي عاشها السيد الصدر أن تتشكّل معالم شخصيته وتبرز من جميع جوانبها حتى طاولتها يد الغدر والخيانة، وكان هذا الأمر أحد أهم عناوين المظلومية التي لحقت بهذه الشخصية.
فالإمام الصدر مع ما تحمله شخصيته من سمو ورقي في القيادة السياسية هو ذلك العالم الذي احتضنته الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة وكذلك النجف الأشرف، وتلقى علومه على يد أشهر المراجع كالسيد محسن الحكيم والسيد الخوئي والإمام الخميني، وجمعته مقاعد الدراسة مع الدكتور بهشتي والشهيد مرتضى مطهري والسيد الأردبيلي وغيرهم ممن شهد لهم أساطين العلم بالنبوغ العلمي.
واشتهر الإمام الصدر بالتحقيق والبحث والنقاش المتميّز حتى حصل على درجة الاجتهاد، وهي مرتبة علمية لا يصل اليها إلاّ الأوحدي من الناس.
وكلّ من عرف الإمام الصدر عن قرب استطاع أن يتوغّل أكثر في معرفة شخصيته العلمية ومميزاته الفكرية والثقافية، ومن هؤلاء المرحوم آية الله الشيخ المشكيني الذي يصفه بالقول: "السيد موسى الصدر.. كان ماهراً، محققاً، باحثاً، متحدثاً ومناقشاً. مجموعته كانت تضم نخبة من الطلبة المميزين، كان يشار اليه بالبنان في أوساط الطلاب الذين نال احترامهم وتقديرهم، ومن الناحية العلمية كان بارزاً في المجموعة التي ضمت زملاء الدرس، وإذا لم نرد القول إنه تفوّق على الجميع، فإن أحداً لم يتقدّمه على أي حال..".
وللسيد الأردبيلي شهادة في حق الإمام الصدر يقول فيها:
"كان يتمتع بسمات خاصة للغاية لناحية الكفاءات والأهلية.. وقد تابع دراسته العلمية في الحوزة حتى مرحلة الاجتهاد إلى أن أصبح أحد المدرسين المجلّين في الحوزة العلمية".
ومن سمات شخصيته إتقانه للغة العربية والفارسية والفرنسية، وحصّل اللغة الانكليزية بمجهوده الشخصي، وتخرّج من جامعة طهران (كلية الحقوق) حاملاً إجازة في العلوم الاقتصادية، فكان بذلك أول رجل دين يدخل الجامعة في إيران ويحصل على شهادة جامعية في غير العلوم الدينية.
وعلى الرغم من مشاغله اليومية ومتابعته لقضايا الناس وهمومهم، وللأوضاع السياسية والأعباء التي نتجت عن تحمّله لمسؤولية رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان استطاع أن يترك بعض الآثار العلمية التي تكشف عن عمقه الفكري وثقافته العالية مع السنوات القليلة التي عاشها في لبنان.
ففي مجال علوم التفسير كان للإمام الصدر الأبحاث القيّمة في تفسير كتاب الله العزيز والتي تضاهي أبحاث كبار علماء التفسير ممّن خلد ذكرهم في هذا المجال، وامتاز تفسيره بالشمولية والمعرفة والإطلاع على آراء المفسرين، وتقديمها بأسلوب بياني رائع يتلاءم مع الواقع المعاصر.
وعندما ننتقل إلى محاضراته وكتاباته في الشؤون التنظيمية للأمة والتي قدّم من خلالها رؤيته وفلسفته لإنشاء حركة المحرومين، وبيان الأهداف والأسباب التي دفعته للقيام بهذا العمل، فترى في محاضراته النموذج الأرقى والأعلى للباحث والمنظّر والمفكر الذي يحيل كلّ خياراته السياسية إلى الإيديولوجيا والعقيدة والفكر الديني، ويحدّد خياره في الإسلام والدين كمنطلق لحركته التغييرية.
أمّا العقيدة فهي رؤية كونية يقدّمها في محاضراته وأبحاثه فيعالج فيها ضرورة معرفة الله وعبادته وشؤون الغيب والإيمان بكتب الله ورسله واليوم الآخر لأنها السبيل لمعالجة الأمراض الروحية والمعنوية التي أصيب بها إنساننا ومجتمعنا المعاصر.
ولعل الخوض الأعمق والتوغل أكثر والتأمل والدراسة للأبعاد والجوانب العلمية والفكرية والثقافية التي انطوت عليها شخصية الإمام السيد موسى الصدر تكشف لنا أكثر مما نعرف، وتزيل الغموض والجهل عن الكثير من الخفايا التي لا نعرفها عن سماحته.
وهذه دعوة صريحة لكل الباحثين والمفكرين والمحققين لاكتشاف هذه الناحية القيّمة في شخصية الإمام السيد موسى الصدر في ذكرى اختفائه.
الانتقاد/ العدد 1230 ـ 31 آب/أغسطس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018