ارشيف من : 2005-2008

دور الإمام المهدي (عج) بعد الظهور

دور الإمام المهدي (عج) بعد الظهور

بقلم : الشيخ محمد توفيق المقداد
قال الله في محكم كتابه "ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"، وقال أيضاً "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون". تؤكد هاتان الآيتان كما غيرهما مما ورد في القرآن الكريم أن الحياة البشرية لا بد أن تصل إلى اليوم الذي يتسلم فيه الحكم والإدارة لشؤون العباد والبلاد الناس المستضعفون الذين كانوا من يدفع الثمن دائماً عبر التاريخ الإنساني الطويل بسبب الظلم والجور والاضطهاد وكل عوامل الفساد والإفساد والانحراف.
وأهم نقطتين يمكن أن نتوقف عندهما في هذا الموضوع هما التاليتان:
الأولى: ما هو دور المجتمع الإنساني عموماً والمؤمن بالمهدي (عج)خصوصاً في زمن غيبته؟
الثانية: ما هو دور الإمام المهدي (عج) بعد ظهوره؟
بالنسبة للنقطة الأولى هناك عدة أمور يمكن الحديث عنها، وهي:
أولاً: أن الله عز وجل خلق الإنسان ليكون خليفته على الأرض، ومعنى الخلافة أن يقوم الإنسان بأداء الوظيفة التي كلفه بها الله سبحانه وهي "عبادة الله وإعمار الأرض".
ثانياً: الحياة التي أرادها الله عز وجل للبشرية أن تعيشها هي الحياة الجميلة المشرقة التي تقوم على أسس الحق والعدل؟ من الواضح لمن يراجع التاريخ الإنساني العام أن هذه  الحياة لم يكتب لها النجاح في أي عصر من العصور، وذلك بسبب الانحراف الذي حصل وأدى إلى طغيان الظلم والجور والفساد، ما جعل الله عز وجل يرسل الأنبياء (ع) من أجل تصحيح المفاهيم من جهة، والمسار الإنساني من جهة أخرى، وحتى هذه الطريقة لم تنجح الا جزئياً في أماكن محدودة وأزمة معينة أخبر القرآن الكريم عنها، وقد أدت سيادة الظلم والانحراف إلى غياب الإمام الثاني عشر عن الأنظار إلى اليوم المعلوم عند الله والمجهول عندنا لظهوره.
وها نحن اليوم نعيش في زمن الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عج)وهو مستمر منذ ما يزيد عن ألف ومئة سنة، وقد يطول الوقت إلى حين الخروج وقد يقصر، ولكن ما هي وظيفة المؤمنين به في زمن غيبته؟ هذا هو السؤال الذي لا بد من التوقف عنده والإجابة عنه.
وهنا نقول "بناءً على ما قدمناه فإن الإنسانية عموماً والمسلمين خصوصاً مكلفون شرعاً بالسعي لإقامة شرع الله في الأرض، لأن الأدلة القرآنية وأدلة السنة النبوية مطلقة في هذا المجال، وتأبى التقيد بزمن دون زمن، وهذا يعني أن المسلمين والمؤمنين بقضية المهدي(عج) مطالبون بالعمل والحركة والجهاد، وبكل ما أوتوا من قوة وعزيمة وإرادة وإمكانيات أن يعملوا على تحقيق الهدف الإلهي للحياة الإنسانية، وأن لا يكونوا جليسي بيوتهم منتظرين خروج الإمام (ع) لكي يقوم بهذه المهمة عنهم، لأن هذا الانتظار بهذا المعنى هو سلبي ومضرّ ويسمح للفساد أن يستشري ويقوى ويهيمن على الحياة البشرية، ما سيعقّد بالتالي مهمة الإمام (ع) بعد ظهوره.
والهدف الإلهي للحياة الإنسانية بالمعنى الذي قدمناه يستحق منا التضحية والفداء وبذل الغالي والنفيس، لأن تلك الحياة هي التي تحقق معاني الإنسانية النبيلة والقيم الإلهية الخالدة، وغير تلك الحياة لا قيمة لها من المنظور الإسلامي، لأن الإنسان إما أن يعيش الحياة كما أراد له الله أن يعيشها، وإما أن يقاتل ويجاهد من أجل الوصول إليها ولو أدى ذلك إلى قتله في سبيل تحقيقها، وبذلك يكون الإنسان قد قام بواجبه أمام الله والإنسانية.
إذاً، الانتظار المطلوب من المؤمنين والمسلمين هو الذي يدفع إلى العمل والى الحركة والى السعي نحو تغيير الأوضاع نحو الأفضل والأحسن في كل مكان يوجد فيه المؤمنون، وهذا النوع من الانتظار هو الذي وردت في حقه الروايات الجليلة المعنى مثل "أفضل أعمال أمتي الانتظار"، وهذا الحديث وارد عن رسول الله (ص)، وعنه أيضاً "انتظار الفرج عبادة"، وكذلك الحديث "المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه".
ومما لا شك فيه أن المؤمنين عندما يتحركون في زمن الغيبة لتصحيح الأوضاع سوف يواجهون المعوقات والعراقيل، ومن أهمها وأخطرها عليهم هي السلطات الظالمة والفاسدة والمنحرفة التي ستقف في وجه المصلحين، لكن هذا لا ينبغي أن يكون سبباً للتزلزل أو للتراجع أو الاستسلام، بل ينبغي أن يكون سبباً للتحدي وللوقوف بوجه أولئك الظالمين ومحاربتهم بكل ما يمكن أن يتوافر، وإلا أي معنى لآيات الجهاد والدفاع عن دين الله عز وجل؟
إن حركة المؤمنين بالمهدي والمنتظرين لخروجه لن تكون متيسرة وآمنة وسالكة، بل ستكون محفوفة بالمخاطر، بحيث تحتاج الحركة التي إيمان وصبر وثبات وعزيمة وقوة معنوية كبيرة تسمح للإنسان بالاستمرار في خط المواجهة والدفاع عن دين الله سبحانه، فيقارع الظلم والظالمين، ويحارب الفساد والمفسدين، ويعمل على نشر الوعي الصحيح والمفهوم السليم لمعنى الانتظار بالقول والعمل والجهاد والتضحية، وكلما التزمنا بهذا المعنى للانتظار، جعلنا زمن خروج الإمام (عج)أقرب إلى الواقع والحقيقة، بينما ما يعتقده البعض من ترك الفساد يفعل فعله حتى يطغى على الحياة البشرية وعندها يخرج الإمام (ع) فهذا هو المعنى السلبي المنهي عنه والمذموم، إن لم نقل انه يمكن أن يؤطر مسألة خروج صاحب العصر والزمان(عج)، وأما بالنسبة الى النقطة الثانية فهناك أيضاً أمور عديدة يمكن الحديث عنها، وهي:
أولاً: أن الإمام (عج) بعد خروجه سيقيم مجتمع الحق والعدل الإلهيين في عموم الأرض، وهو من أجل ذلك سيحارب الظالمين والمفسدين ويقضي عليهم، لكي يزيل كل العراقيل التي يمكن أن تمنعه من الوصول الى هدف الحياة الإنسانية الكبير من المنظار الإلهي.
ثانياً: ان الله عز وجل لا يمكن أن ينهي الحياة الإنسانية من دون تحقيق نموذج المجتمع الإنساني العابد والعادل، وإلا كان ذلك خلاف الحكمة الإلهية من وراء استخلاف الإنسان في هذه الدنيا.
ثالثاً: المجتمع الذي سيقيمه الإمام المهدي (عج) سوف ينعم بالأمن والسلام والتآخي، وسوف تسعد البشرية في ذلك المجتمع بحيث يخرج الإنسان كل قدراته المكنونة في نفسه، والتي كانت مكبوتة عبر التاريخ بسبب الظلم والجور والاضطهاد.
رابعاً: أن ذلك المجتمع الذي سيحققه الإمام المهدي (عج)سوف يكون الحجة الإلهية على كل المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ، لأن الإمام بتحقيقه للمجتمع العابد والعادل، سوف يقول لكل الأجيال التي سبقت إنكم لو ملكتم الشجاعة والقوة والعزيمة، ولو لم تستسلموا للباطل والجور والظلم، ولو لم تركنوا الى الحياة الدنيا، سواء بالترهيب أو الترغيب لاستطعتم أن تحققوا عبر المسار الإنساني في أكثر من مجتمع انساني عابد واحد فقط في كل الأرض.
خامساً: أن الإمام المهدي (عج)سوف يمنع عودة الفساد والظلم والانحراف الى الحياة البشرية، وسوف يضرب بيد من حديد كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن وسلام المجتمع الإنساني العام، لأن لله عز وجل لا بد أن ينهي الحياة الإنسانية قبل يوم القيامة على الصورة التي أرادها للإنسان منذ أن خلقه وأعطاه مقومات بناء المجتمع الإلهي العابد والعادل، ولذا ورد في الحديث عن الإمام الباقر(ع) ".. فلا يترك بدعة إلا أزالها، ولا سنة إلا أقامها".
من هنا نقول إن دور الإمام المهدي (عج) بعد خروجه هو "إحياء الحق وإماتة الباطل"، أو "ان يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً"، ولذا ورد في الرواية أن المهدي (عج)إنما سُمي بالقائم لقيامه بالحق، وسُمي بالمهدي لأنه يهدي الى أمر مضلول قد تاه الناس عنه، ولذا ورد في رواية عن الإمام الصادق (ع) "اذا قام القائم دعا الناس الى الإسلام جديداً، وهداهم الى أمر قد دثر، فضلّ الجمهور عنه.."، أو كما في حديثٍ لأمير المؤمنين (ع) يقول فيه ".. يقوم بأمر جديد وسنة جديدة وقضاء جديد.. ولا تأخذه في الله لومة لائم".
ولا شك في أن الإمام المهدي (عج) بحسب هذه الروايات سيعمل على تنقية الإسلام المحمدي الأصيل من كل ما دخله عبر العصور عبر الوضع والكذب والافتراء على النبي (ص) وعلى الأئمة (ع)، وسوف ينشر الإسلام كما أنزله الله على رسولنا الخاتم محمد (ص)، لأن ذلك الدين الصافي الشفاف هو الذي يحقق ذلك المجتمع الإنساني الذي كانت البشرية تبحث عنه عبر كل مسارها، والمجتمع العابد والعادل القائم على موازين الحق الإلهي.
الانتقاد/ العدد 1230 ـ 31 آب/أغسطس2007

2007-08-31