ارشيف من : 2005-2008
الظلم الاميركي وتوق البشر الى العدالة
إنه الأمل الذي يشرق في صبيحة الخامس عشر من شعبان كل عام حاملا معه تباشير القرب للموعد مع إمام المستضعفين، الذي وإن باعده الزمان عنا لكنه نفسه يقربه منا، فكل يوم ينقضي ندنو معه يوماً الى ذلك اللقاء المرتقب الحميم. ومن خصوصيات ذلك الحدث الإلهي الغيبي ـ ظهور الإمام المهدي "عج" ـ ان له أسباباً وعلامات، الأسباب التي تنتج الحدث والعلامات التي تشير اليه وتدل عليه. وإن مراجعة سريعة لما ورد في الروايات حول آخر الزمان وظهور المهدي (ع) توصلنا الى النتيجة التالية:
ان اهم الاسباب المفضية الى حدث الظهور تتمثل في توافر الأنصار بالعدة والعديد والإمكانيات اللازمة من اجل صناعة الانتصار التاريخي المدوي بالأسباب الطبيعية. والسبب الآخر الرئيس ايضاً يتمثل في تهيئة الظروف والمناخات المؤاتية، وهي على نحوين:
ـ أولهما نفسي عاطفي تحققه تداعيات الكوارث والاحداث الكونية الاضطرابية التي يشهدها العالم بفعل آثار الذنوب والآثام والخطايا والرذائل المنبثة في الطول والعرض وفي الجو والبر والبحر، وهذا ما تعبر عنه الآية القرآنية: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لنذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون".
ـ والثاني فكري عقائدي فلسفي يتمثل في انهيار وتلاشي واندثار آخر المنظومات المادية الفلسفية التي أنتجها البشر، مع ما بإزائها من نماذج مدنية واجتماعية وسياسية. وهذا ما تعبر عنه الآية القرآنية: "وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً".. أي ان الهلاك لا يأتي نتيجة حلول يوم القيامة، بل قبل ذلك بأسباب هي السنن والمعادلات والقواعد الحاكمة للتاريخ.
وإذا عدنا الى الأسباب يمكن قسمتها الى قسمين:
ـ ايجاد المقتضي: وهم الأنصار الذين يمهدون للإمام الطريق ويعدون له، ومن ثم يكونون في خدمته وبين يديه يناصرونه ويؤازرونه في مهمته الإلهية العظمى.
ـ رفع المانع: والمانعان الأساسيان هما ذلك التوجه المنقطع النظير الى المادية، والاستغراق في المصالح الدنيوية. وهذا لا يرفعه مجرد النصح والموعظة، وإنما هو بحاجة إلى تحسس بشري واسع لانعدام الاستقرار في هذه الارض بما يشعرهم فعلاً ليس على نحو نظري بحقيقة الدنيا الزائلة الفانية الغرور التي حاول الأنبياء والأولياء والمصلحون ان يعظوا الناس ويبينوا لهم مساوئها دون جدوى.
- أما المانع الآخر فهو اطمئنان البشر الى ذلك النسق الفكري الاجتماعي الذي يوفر الرفاه انطلاقاً من منظومة فكرية مدنية استطاع ان يبلغها مفكرون علماء وساسة، واستطاعت هي بدورها ان توفر الرفاه ورغد العيش للآدميين، فإذا هم يهرولون من أجل التمثل بها في حياتهم للحصول على النتائج ذاتها من الرفاه والعيش الرغيد، ولم يلتفتوا الى آثار ذلك النسق وتلك المنظومة على الإنسان وحياته واستقراره وطمأنينته، فها هي تلك المنظومة تعبث في الارض وتزرع فيها الدمار والخراب وتبث فيها الفتن والحروب والاضطرابات وتستثير فيها النزاعات والخصومات والأحقاد والعصبيات، والناتج مزيد من الخوف والرعب ونقص من الاموال والأنفس والثمرات، ومزيد من الفقر والعوز والجهل والتخلف. فإذا البشرية المستغرقة بالتراب تنفض عن عينيها غبار التراب لتدرك رغماً عنها ان الارض غير ذات قرار، وأن الدنيا لا مجال للاطمئنان والركون اليها، فتتوجه رغماً عنها الى الغيب وعالمه وما يمثله.. وهنا ينبثق الأمل وينشق في أعين المستضعفين والمظلومين والمقهورين بل وجميع العالمين، ويروح كل انسان يعبر عن ذلك الأمل ويسميه بحسب ما يعتقد وعلى النحو الذي تربى عليه. فالبعض ينظر الى المسيح والآخر الى المهدي أو الى بوذا، وهكذا تتوجه الانظار وتشخص الابصار الى السماء، الى الغيب، منتظرة إشراقة الامل ليرفع عنها الظلم والضيم والقهر والاستبداد. وإذا البشرية التواقة الى ذلك النموذج المدني الفكري الليبرالي الاميركي تقول ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ويكأن الله يداول بين الأمم ويجري عليها المثلات، وإنه ما من أمة الا ولها أجلها وستنتهي الى مصير، بمن فيها الأمم الطاغية المستكبرة والمقتدرة المالكة لأسباب القوة والمنعة والعنفوان.. فتروح البشرية ايضا تنعزل عن ذلك النموذج وتنأى بنفسها عنه وعن مضامينه ومكوناته لتتوجه الى الفكر القادم من الوحي، من الغيب الذي يحمل معه المنطق والحكمة والبيان، ويقدر أن يصنع الحياة من جديد بالرفاه المنشود مع العدالة والاستقامة والتقوى.
أجل.. ان ما تفعله الإدارة الأميركية انطلاقا من الشرق الأوسط وصولا الى أصقاع الأرض المترامية، يؤسس لانعدام السلام والأمن العالميين، مع ما يحمله هذا الواقع من فساد منقطع النظير يذكرنا بفساد الأمم الغابرة التي حلت فيها الويلات والدواهي. ان ما تقوم به الإدارة الأميركية يمكن حمله على الظلم والجور الذي ينتشر في آخر الزمان ويأتي المهدي (عج) ليقتلعه ويجتثه، نحن لا نتحدث هنا عن أن نشر الفساد مقدمة للظهور فلا بد من إنتاجه ليحصل الظهور، انما نتحدث عن الفساد الذي ينتجه طغيان النفوس وشراهتها وميلها الانحرافي نحو الهيمنة والسيطرة بفعل امتلاك دولة ما للقوة وأسبابها، بما يجعل البشرية تئن وتصرخ من الاستخدام المفرط لهذه القوة ليس في سبيل تحقيق العدل ومعالجة الاضطرابات وإحلال السلام، وإنما من اجل سلب الثروات واستعباد الشعوب وفرض الهيمنة عليها، فهذا المناخ الذي تخلقه سياسة الإدارة الأميركية في العالم هو الصورة التاريخية الطبيعية للطغيان في أجلى وأقسى صوره، هذا الطغيان الذي ينفث سمومه وحممه ونيرانه في زوايا الكون أجمع حتى تصل آثاره المدمرة المخربه الهدامة الى كل ناحية وزاوية ومحلة في هذا العالم، فيضج منه البشر والحجر والشجر والجماد وحتى الأموات، بما يؤسس لاستغاثة انسانية تسمع اصداؤها وتردداتها في كل الأمكنة التي وصلت اليها آثار ذلك الطغيان الرهيب، وترتفع الأيدي وتشخص الابصار وتتضرع القلوب والأفئدة الى رب الأرباب لكي يعجل في فرج ذلك الإمام الغائب الذي يخلصهم جميعهم ويطهرهم جميعاً من آثار الدنيا والانغماس فيها، بعد أن تبرز مساوئها وينجيهم جمعياً من آثار الفساد الذي تراكم وظهر في البر والبحر، ويخلصهم من آخر الممالك والدول المستكبرة التي زرعت في دنياهم الظلم والجور والطغيان، وتسمع في هذا العالم صيحة من الارض قبل صحية السماء، نداء الفطرة التواقة الى السلام يصدح في كل الأرجاء، ان عجل الينا يا صاحب الزمان فقد برح الخفاء وانقطع الرجاء وضاقت الارض ومُنعت السماء.
د.بلال نعيم
الانتقاد/ العدد1230 ـ 31 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018