ارشيف من : 2005-2008
عبد الله غول أول رئيس غير علماني للجمهورية التركية
أنقرة ـ حسن الطهراوي
وأخيراً نجح البرلمان التركي في انتخاب عبد الله غول مرشح حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي لمنصب رئاسة الجمهورية ليصنع بذلك نقطة النهاية لمرحلة طويلة وشاقة بدأت عندما أعلن الحزب في شهر نيسان/ ابريل الماضي عن اسم عبد الله غول مرشحا لهذا المنصب، وهو ما عارضته أحزاب المعارضة العلمانية وتحديداً حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان، لكن الأهم بالطبع هو موقف المؤسسة العسكرية التي عارضت هي الأخرى ترشح غول وحذرت من مخاطر تفويض النظام العلماني الذي يشكل أساساً للجمهورية التركية الحديثة.
معارضة وحملات واسعة من الاحتجاج أدخلت البلاد في أزمة سياسية ودفعت بها إلى انتخابات برلمانية مبكرة.. لكن نتائجها جاءت بعكس ما اشتهت سفن العلمانيين، وعاد حزب العدالة والتنمية إلى السلطة من جديد ومرشحه عبد الله غول ترشح للمرة الثانية متسلحاً بدعم شعبي واسع عزز من موقعه تجاه معارضيه ولم يعد حزب الشعب الجمهوري العلماني يملك العدد الكافي من النواب في البرلمان لعرقلة عملية انتخاب عبد الله غول، خاصة بعد إعلان أحزاب المعارضة الأخرى مشاركتها في جلسات الانتخاب.
وعلى الرغم من أن انتخاب عبد الله غول قد تم في الجلسة الثالثة وبأصوات نواب حزبه فقط، إلا أن ذلك لا يقلل من مشروعية انتخابه أو ديمقراطية وقانونية العملية الانتخابية، فمعظم الرؤساء السابقين تم انتخابهم بنفس الطريقة، لكن الفارق هذه المرة يكمن في شخصية وخلفية عبد الله غول الإسلامية وحجاب زوجته "خير النساء غول".
فعبد الله غول الذي يصنف نفسه بالديمقراطي المحافظ يحسب على التيار الاسلامي، وكان من الأسماء البارزة والمقربة من نجم الدين أربكان الزعيم التقليدي للحركة الإسلامية في تركيا منذ دخوله المعترك السياسي عام 1991 نائبا عن حزب الرفاه الإسلامي، وبعدها في حزب الفضيلة قبل أن ينفصل عن أربكان عام 2000 بعد أن قاد مع رجب طيب أردوغان ما سمي بتيار التجديد في حزب الفضيلة، وأدى ذلك إلى تشكيل حزب جديد هو حزب العدالة والتنمية لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في حياة غول أوصلته إلى قمة الهرم السياسي في تركيا.
وصول عبد الله غول إلى القصر الجمهوري يعتبر سابقة في تاريخ تركيا، فهو أول رئيس للجمهورية من خارج الوسط العلماني، وزوجته محجبة، وذهب البعض إلى اعتبار ذلك بأنه سقوط لآخر قلعة للعلمانيين في تركيا على الرغم من تطمينات عبد الله غول في أول خطابٍ له في البرلمان بأنه سيكون محايداً وعلى نفس المسافة من الجميع وملتزماً بمبادئ الجمهورية، لكن ذلك لم يجد الصدى المطلوب في الأوساط العلمانية المعارضة، وأعلن حزب الشعب الجمهوري الذي قاطع جلسات الانتخاب بأنه سيقاطع أيضاً الاحتفالات التي سيقيمها غول في القصر الجمهوري.. أما الجيش فعبر عن معارضته لانتخاب غول بمقاطعة مراسيم أداء اليمين الدستورية التي جرت في البرلمان، ومن أول لقاءٍ جمعه بقيادات الجيش بعد يومٍ واحد من انتخابه سادت حالة من البرود ومظاهر من عدم الرضا تجاه الرئيس الجديد، ولم يؤد رئيس قيادة الأركان والجنرالات الآخرون التحية لعبد الله غول الذي كان يحضر معهم حفل تخرج مجموعة من الضباط، وقد أثار هذا المشهد اهتمام وسائل الاعلام والمراقبين الذين رأى البعض منهم أن الجيش ما زال على موقفه المعارض لانتخاب عبد الله غول، لكنه مجبر على قبول الأمر الواقع واحترام إرادة الشعب والبرلمان، لكنه في نفس الوقت سيبقى على مسافة محددة من علاقاته مع الرئيس الجديد وتحديد استراتيجيته الجديدة بناءً على ما سيصدر من القصر الجمهوري.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية التي ما زالت تتمتع بنفوذٍ واسع في تركيا ـ على الرغم من الاصلاحات التي حدّت قليلاً من هذا النفوذ ـ ستقبل بالواقع الجديد ولو على مضض، فلم تعد الظروف الداخلية والخارجية مؤاتية للعسكر لتحريك دباباته وتسلم السلطة عبر الانقلاب العسكري كما كان عليه الحال في تركيا فترة الستينات والسبعينات والثمانينات، فتركيا قطعت شوطاً لا بأس به في مجال الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، ولمنظمات المجتمع المدني والنقابات حضور واضح ومؤثر في الحياة السياسية، والأهم بالطبع العلاقة القائمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي بعد بدء مفاوضات العضوية بين الطرفين، وموقف الاتحاد الذي كان وما زال يطالب بضرورة الحد من نفوذ وتأثير الجيش في الحياة السياسية، وقد رحب قادة الاتحاد بانتخاب غول، ورأوا فيه أنه سيشكل عملية دفع جديدة لعملية الاصلاحات الجارية في تركيا تمهيداً لانضمامها الى الاتحاد الأوروبي، واللافت أيضاً الموقف الأميركي الداعم لحزب العدالة والتنمية وانتخاب عبد الله غول.
موقف بات في السنوات الأخيرة أقرب الى الحزب الحاكم منه الى المؤسسة العسكرية على عكس الفترة السابقة حيث كانت علاقة الجيش التركي هي الأقوى مع واشنطن، وكل الانقلابات العسكرية التي قام بها العسكر في تركيا كانت تتم بضوءٍ أخضر من الأميركيين.
وبكل الأحوال فإن انتخاب غول رئيساً جديداً للجمهورية، بقدر ما حمل معه العديد من التساؤلات حول مستقبل تركيا العلماني وعلاقة المؤسسة المدنية مع المؤسسة العسكرية، ودخول الحجاب الى القصر الجمهوري في بلدٍ ما زال يحظر فيه دخول المحجبات الى الجامعات والمؤسسات الحكومية، إلا أنه في نفس الوقت يؤرخ لمرحلة جديدة وربما فرصة مهمة لحل المشاكل المؤجلة وتحقيق التلازم المطلوب بين مؤسسات الدولة وتحويل التباين والاختلاف في المجتمع التركي ليكون مصدر قوة وليس مصدر ضعف، ويبقى المؤكد أن وصول عبد الله غول الى القصر الجمهوري سيشكل عملية دفع لحكومة رجب طيب اردوغان الثانية التي شكلت لتلبية متطلبات المرحلة القادمة وتحقيق الأهداف الموضوعة لمواصلة عملية الاصلاح الديمقراطي والاقتصادي والمزيد من الرفاهية للشعب التركي.
الانتقاد/ العدد1230ـ 31 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018