ارشيف من : 2005-2008
الخريف العربي المقبل : أرضية لإخراج "التطبيع أولاً" مغلفاً بـ"أوسلو" جديد
دمرت حرب الخليج (التي أتت بالقوات الأميركية إلى المنطقة) الإجماع العربي حول فلسطين، وفضحت هشاشة النظام العربي الرسمي وسرعة عطبه. مع هذه الحرب تشرذم الموقف العربي تجاه الكيان الصهيوني، وفككت الإستراتيجية العربية الفلسطينية المشتركة التي تشكلت في مؤتمر الرباط عام 1974.

وأدت الحرب إلى تراجع القضية الفلسطينية عن قمة جدول أعمال العرب (إزاحتها عند البعض)، هذه الأحداث والتطورات السياسية التي حصلت، شكلت بمجموعها المدخل الرئيسي إلى سياق اتفاق "إعلان المبادئ" ما سمي حينها "اتفاق أوسلو"، الذي فتح الأبواب مشرعة لكسر المحرمات، وصار التبادل الدبلوماسي بين الكيان الصهيوني وبعض العرب تحصيل حاصل، وبسبب هذا الاتفاق تحول الصراع العربي الصهيوني إلى صراع فلسطيني صهيوني، وبعض العرب وجد في الاتفاق فرصة لنفض يدهم من القضية الفلسطينية.
برغم التطورات والأحداث السياسية الكبيرة العميقة بتداعياتها ومفاعيلها في المنطقة، من هزيمة الكيان الصهيوني في عدوانه على لبنان في تموز/ يوليو 2006، إلى الفشل الأميركي في العراق، وتعثر مشروعه في لبنان وفلسطين المحتلة، إلى فشل مشروعه الشرق أوسطي، إلى فشل (موت) "اتفاق أوسلو" وكل الاتفاقات التي تلته، وما رافقها من اجتياحات وتدمير واقتلاع واغتيالات (مستمرة وتزداد عدوانية وهمجية) ما زالت المفاوضات الفلسطينية الصهيونية مستمرة وبغطاء عربي، ويواكبها خلق وقائع جديدة على الأرض عبر مصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، حتى لا يبقى على الأرض شيء ممكن التفاوض عليه، بل إن قيام دولة ذات "حدود مؤقتة" أو "قابلة للحياة" بات أمرا غير ممكن.
وحول المفاوضات الجارية مع الطرف الفلسطيني، نشرت صحيفة "هآرتس" الصهيونية: "أن الوثيقة المتضمنة "إعلان المبادئ" سوف تكون مختصرة في صفحة واحدة، وستتضمن ما بين 4 و5 مبادئ عامة مقبولة من الطرفين، وتابعت الصحيفة: "إن رئيس الحكومة "الإسرائيلية" يأمل في إنجازها قبل المؤتمر الإقليمي الذي دعت إليه الولايات المتحدة في الخريف القادم". وهذا يعني أن الطرف الفلسطيني بصدد الدخول في دوامة جديدة تكرر تجربة "أوسلو"، علماً أن لقاء أولمرت ـ عباس هذا الأسبوع تمخض عنه تشدد إسرائيلي مع "مرونة" فلسطينية إلى أقصى الحدود، إذ رفض أولمرت مطالب عباس بتخفيف بعض الإجراءات لتكون مساعدة له في التمهيد لهذا المؤتمر الذي يبدو أن السلطة الفلسطينية تعول عليه أكثر مما يعول عليه أصحابه الذين أفصحوا أن هدف المؤتمر لن يكون سوى المساعدة على العثور على "أفق سياسي" كما عبر الرئيس الأميركي جورج بوش، وهو بذلك حدد السقف الذي سيذهب إليه في المساعدة أثناء انعقاد المؤتمر، والذي يتوافق مع وجهة النظر الصهيونية، حيث صرحت الناطقة باسم رئيس الحكومة الصهيونية ميري إيسين: "أعلنت "إسرائيل" بوضوح أننا مستعدون لإجراء محادثات في شأن قضايا الأفق السياسي"، وتابعت "لكننا كنا في نهاية الوضوح بأننا غير مستعدين في هذه المرحلة لمناقشة القضايا المحورية الثلاثة: الحدود واللاجئين والقدس".
يعني ذلك أنه بعد 14 سنة من الاتصالات واللقاءات والمفاوضات والاتفاقات، ما زال التفاوض يقف على باب "إعلان المبادئ"، وكل المؤشرات تشير إلى أن المفاوضات مهما استهلكت من الزمن لن تزيد عن المبادئ العامة، حيث إن إستراتيجية القادة الصهاينة قائمة على أساس التفاوض من أجل التفاوض على ما تم التفاوض عليه، بهدف كسب الوقت اللازم لفرض حقائق جديدة على الأرض، سعيا وراء إجماع صهيوني يرى أن المنطقة الواقعة بين نهر الأرن والبحر الأبيض المتوسط لا تقبل أكثر من سيادة واحدة، وأن غزو الأرض والسيطرة على ثرواتها أهم "شروط السلام"، ولا تصلح شريكا صالحا إلى أن تقضي على "الإرهاب".
إنها خريطة الطريق "الإسرائيلية" أساسها "التفاوض اللانهائي"، لأن ما يجري حاليا هو محاولة أميركية "اسرائيلية" لقطف ثمار الانقسام والضعف الفلسطيني الحالي، من خلال فرض حل انتقالي طويل الأمد عنوانه دولة "ذات حدود مؤقتة"، مغلف بإعلان مبادئ، أو اتفاقية اطار قابلة للتفسيرات المتعددة وتترافق مع جدول زمني طويل ومؤجل التنفيذ (سياسة التفاوض من أجل التفاوض). تكون أميركا قد أوحت بإحياء عملية "سلام" دون "السلام"، وقطعت الوقت وجرت أطرافا عربية أخرى للتطبيع مع "اسرائيل" قبل السلام، وهذا ما يبدو جوهر المؤتمر المزمع إجراؤه.
ما الذي يعنيه هذا كله؟ ثمة محاولة لبلورة حزام عسكري وسياسي في الشرق الأوسط، يترجمه المؤتمر القادم لدول المنطقة، أساس وجوده "التطبيع" مع الكيان الصهيوني، وضمن هذا الإطار يأتي ما كشفته صحيفة "هآرتس" عن وزيرة خارجية الكيان: "تأمين حشد تأييد إقليمي من الدول العربية والإسلامية المعتدلة للعملية السياسية"، وتتابع الصحيفة نقلا عن الوزيرة: "أن من شأن ذلك أن يساعد على اندماج "إسرائيل" في المنطقة عبر تطبيع العلاقات معها وعلى مراحل". وقالت وزيرة خارجية الكيان "التطبيع مع العرب يجب أن يكون جسرا للحل النهائي مع الفلسطينيين"، (وتوجهت للقادة العرب) قائلة: "طبعوا العلاقات الآن. فالتطبيع قادر على تغيير الأوضاع على أرض الواقع". أضف إلى ذلك ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية في توضيحها لأكبر صفقة سلاح شهدتها المنطقة "هذا الرد سيمكن هذه الدول من التغلب على التهديد الإيراني والسوري، وكذلك التهديدات التي يمثلها كل من حزب الله والقاعدة"، وفي ذات السياق يعلق أولمرت: "أنا متفهم للحاجة الأمنية للدول الخليجية، وحاجتنا الأمنية وحاجتهم متكاملة".
بعد هذه الإشارات الواضحة من الأطراف الفاعلة والمقررة، أصبحت القضية الفلسطينية عنوانا يغطي "التطبيع" وبما يتوافق مع المحور الجديد، وأهدافه تحقيق المصالح الصهيو ـ أميركية، ويتحول الخريف القادم، إلى خريف عربي بامتياز...
محمد دبورة
الانتقاد/ العدد1230ـ 31 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018