ارشيف من : 2005-2008

الدخول الفرنسي الى بغداد عبر سكة واشنطن!

الدخول الفرنسي الى بغداد عبر سكة واشنطن!

بغداد ـ عادل الجبوري
لا يختلف اثنان ممن يتابعون تجاذبات الوضع العراقي الشائك والمعقد على ان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يواجه ظرفا حرجا للغاية لا يحسد عليه، وان تحديات وضغوطات داخلية وخارجية تواجهه ربما يحتاج الى قوة سحرية لتجاوزها والتغلب عليها.

وبدا ان "الزيارة التاريخية" ـ كما وصفها وزير الخارجية العراقية هوشيار زيباري ـ لوزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير الى بغداد الاسبوع الماضي ستساهم في حلحلة بعض من عقد الازمة العراقية، بيد انه ما ان ترك كوشنير بغداد بعد يومين من لقاءات واجتماعات حافلة، حتى صدم صناع القرار السياسي في بغداد ـ وتحديدا المالكي ـ بتصريحات نارية.
ففي الوقت الذي تكفل الرئيس العراقي جلال الطالباني بالرد على مقترح كوشنير بعقد مؤتمر دولي لجمع الفرقاء السياسيين العراقيين تحت سقف واحد كما حصل مع لبنان، بالقول ان الساسة العراقيين يجتمعون ويتحاورون كل يوم في بغداد وليسوا بحاجة للذهاب الى مكان اخر، لم يستطع رئيس الوزراء العراقي ان يخفي غضبه واستياءه من دعوة وزير الخارجية الفرنسي في حديث له مع مجلة نيوزويك الاميركية الى استبداله بعادل عبد المهدي، واصفا الاخير بأنه مؤهل لقيادة العراق في هذه المرحلة، وقال كوشنير بالتحديد للمجلة الاميركية الواسعة الانتشار في المقابلة التي نشرت على موقعها الالكتروني في الرابع والعشرين من شهر آب/ أغسطس الجاري "الكثيرين يعتقدون ان رئيس الوزراء نوري المالكي يجب ان يتغير ولا اعرف ما اذا كان ذلك سيتحقق لان الرئيس الاميركي جورج بوش يتعاطف مع المالكي على ما يبدو"، مشيرا الى انه تحادث مع وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس واخبرها بأنه لا بد من استبدال المالكي.
من جانبه وبعد مطالبته باريس بالاعتذار الرسمي عن تصريحات وزير خارجيتها التي وصفها بأنها بعيدة عن اللياقة، قال المالكي "بالأمس استقبلنا وزير الخارجية الفرنسي وكنا فرحين به وبالموقف الفرنسي الجديد ومتفائلين به، واذا به يدلي بتصريحات لا يمكن ان تصنف بأي موقع من مواقع اللياقة الدبلوماسية حينما يدعو لإسقاط الحكومة واستبدالها بأخرى".
باريس التي ربما لم تتوقع ان يكون رد فعل بغداد بهذه الحدة وذاك الانفعال سارعت الى الايعاز للوزير كوشنير الى الاعتذار، وبالفعل فقد اختار اذاعة (ار.تي.ال) ليعلن من خلالها عن اعتذاره الذي يبدو ان المالكي وعلى لسان مستشاره الاعلامي ياسين مجيد لم يعتبره اعتذارا رسميا، لكن ما زاد الطين بله هو ان كوشنير عاد ليقول في كلمة له امام سفراء فرنسا المجتمعين في باريس "اعتذرت لرئيس الوزراء العراقي الذي قد يغادرنا قريبا"!.
وثمة غموض في مبررات التعاطي الفرنسي مع بغداد، فباريس بدا انها بدأت بزيارة وزير خارجيتها لبغداد حقبة جديدة من العلاقات مع الاخيرة، ارادت من خلالها طوي صفحات الماضي والنظر الى الامور بطريقة اكثر واقعية تأخذ بنظر الاعتبار ضرورة ان يكون لفرنسا حضور وتأثير ودور دولي فاعل، لا يجعلها سلبية وهامشية، ويعزز مصالحها بدرجة اكبر، وهذا ما شدد عليه الرئيس الفرنسي الجديد نيكولاي ساركوزي في اكثر من مناسبة. بيد انه يمكن القول انها تعجلت الامور كثيرا وجاءت خطواتها متسرعة كثيرا، بحيث ان التخبط كان السمة الابرز في بداية طريقها الجديد نحو بغداد.
ولعل ذلك ما جعل الوزير برنار كوشنير يبدو وكأن ما قاله صدى لأصوات انطلقت من واشنطن  تدعو صراحة الى تنحية المالكي، الامر الذي جعل هذا الاخير يرد بحدة لا تقل عن الحدة التي رد بها على الوزير الفرنسي ان لم تكن اكبر. وقال رئيس الوزراء العراقي ردا على دعوات عضوي مجلس الشيوخ الاميركي من الحزب الديمقراطي كارل ليفين وهيلاري كلينتون بتنحيته "ان هناك مسؤولين في الكونجرس الاميركي يتحدثون عن العراق وكأنه ضيعة من ضيعات تابعة لكارل ليفين او هيلاري كلينتون". ولم تكن تلك المرة الاولى التي يضطر المالكي فيها للرد على الاميركيين خلال ايام قلائل، فمن العاصمة السورية دمشق رد بحدة وحزم على تصريحات تضمنت انتقادات له من واشنطن، دفعت الرئيس الاميركي جورج بوش الى معالجة الموقف بتصريحات تهدئة اثنى فيها على اداء المالكي وشخصيته.
وطبيعي ان رئيس الوزراء الذي باتت حكومته في مهب الريح بنظر البعض بعد انسحاب وزراء كتلة جبهة التوافق وقبلهم وزراء الكتلة الصدرية وفيما بعد اعلان القائمة العراقية بزعامة رئيس الوزراء الاسبق اياد علاوي تعليق عضوية وزرائها ومن ثم اعلانها سحبهم من الحكومة، طبيعي انه سيكون في وضع اكثر صعوبة وتعقيداً حينما تزداد الحملات الاعلامية والسياسية عليه من الخارج، وخصوصا من الولايات المتحدة الاميركية، التي يقول كثير من الساسة في بغداد وأناس عاديون انها قادرة على الاطاحة بحكومة المالكي او بشخصه ان هي ارادت ذلك فعلا. 
وأياً يكن الدافع والمبرر لتلك الحملات الاعلامية والسياسية فإن نتائجها وآثارها ستكون واحدة، ولا فرق ان كانت انعكاسا لطبيعة الصراعات السياسية داخل الولايات المتحدة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وهما يخوضان السباق نحو الرئاسة، او بسبب اقتراب المالكي بدرجة اكبر من طهران ودمشق اللتين ما زالتا العدو رقم واحد لواشنطن، جمهورية كانت الادارة هناك ام ديمقراطية.
ويزداد الواقع تعقيدا وتتسع الهوة بين رئيس الوزراء العراقي وبعض مراكز القرار السياسي في واشنطن، حينما تتبنى شركة علاقات عامة قريبة من البيت الابيض هي شركة "باربور كريفث اند روجرز" للعلاقات العامة الترويج لرئيس الوزراء الاسبق اياد علاوي ومساعدته على الاطاحة بالمالكي والعودة الى رئاسة الحكومة. وهذه الشركة فضلا عن كونها قريبة من البيت الابيض والحزب الجمهوري بزعامة جورج بوش، تضم شخصيات سياسية مهمة مثل السفير روبرت بلاكويل النائب السابق لمستشار الامن القومي الاميركي، وفيليب زيليكو المستشار السابق لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.
ناهيك عن تحركات تقوم بها اطراف اخرى بعضها عراقية وبعضها عربية قد تتجنب اظهار حقيقة مواقفها وتوجهاتها من الحكومة العراقية، تساهم كلها في اضعاف موقف المالكي الذي ربما يكون الاتفاق الرباعي الذي ابرم مؤخرا بين حزبه والمجلس الاعلى الاسلامي العراقي والحزبين الكرديين الرئيسيين بزعامة جلال الطالباني ومسعود البارزاني بمثابة قارب النجاة له، حيث انه من خلال ذلك يستطيع ان يضمن اغلبية برلمانية تقف عائقا امام أي مسعى لسحب الثقة من حكومته او سلبها شرعيتها الدستورية بانسحاب اخرين منها، وهذا هو الآخر تحد غير بسيط لانه يرتب استحقاقات لا يستهان بها.
ويذهب البعض في بغداد الى ان الشيء الوحيد الذي يجعل جورج بوش لا يؤيد تنحية رئيس الوزراء الحالي، يتمثل في خشيته من تعقد وتأزم الامور بدرجة اكبر، وبالتالي يصعب عليه خلال الفترة المتبقية له معالجة ذلك، وبالتالي فإن ما يفترض انه قد حققه من انجازات في العراق بدءا من الاطاحة بنظام صدام سيذوب ويتلاشى ويصبح لا قيمة له في مقابل اخفافات حادة وكبيرة. وهو يدرك ان دعوات الديمقراطيين امثال ليفين وهيلاري كلينتون لا تستهدف في حقيقتها المالكي بقدر ما تستهدفه هو وحزبه.
ودعوات وزير الخارجية الفرنسي هي الاخرى لا تخرج عن هذا السياق، وان كان الوزير بالفعل قد سمع من ساسة عراقيين مختلفين رغبتهم في استبدال المالكي.
وتقرير كروكر ـ بترايوس المزمع تقديمه الى الكونجرس منتصف شهر أيلول/ سبتمبر المقبل يمكن ان يسلط حزمة من الضوء على الصورة القاتمة ليبرز جزءا من معالمها وملامحها وخطوطها وألوانها، لكن بالتأكيد فإنه لن يكون وصفة الحل السحرية، مثلما كان يأمل الكثيرون من تقرير بيكر ـ هاملتون.
إنه، أي تقرير كروكر ـ بترايوس، قد يحدد مسارات الصراع بين المتنافسين على السلطة في واشنطن اكثر من كونه يطرح ويوفر حلولا ومعالجات ناجعة للازمة العراقية، وأزمة الرئيس المالكي.
الانتقاد/ العدد1230ـ 31 آب/أغسطس 2007  

2007-08-31