ارشيف من : 2005-2008
جورجيا: نحو الأطلسي هرباً من مشكلات الداخل
الكلام مع تأكيدات روسية أن تبليسي تسعى لخلق المزيد من التوترات بينها وبين موسكو، في وقت يعترف فيه كثير من المراقبين الغربيين بأن جورجيا التي قطعت مسافة مهمة باتجاه قبول عضويتها في الحلف الأطلسي، مهتمة جداً بتسريع انضمامها للحلف.
مثل هذا المسعى قد يكون مبرراً بالنسبة الى النظام الحاكم في بلد حصل على استقلاله مع تفكك الاتحاد السوفياتي، قبل أن يؤكد هذا الاستقلال بثورته "الوردية" في تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، إزاء روسيا الحالية التي لا تقل طموحاتها ومخاوفها عما كان عليه شأن روسيا السوفياتية.
ثورة وردية تزامنت مع ثورة أوكرانيا البرتقالية، وجرى تمويلها ودعمها على ما كتبته صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية، من قبل منظمات دولية وأميركية بوجه خاص، ووقعت خصوصاً في أجواء التدخل الأميركي في أفغانستان والعراق في إطار ما اعتبرته الصحيفة نفسها جزءاً من استراتيجية أميركية هدفها إحكام السيطرة ـ لأغراض منها وضع اليد على منابع النفط والغاز ـ على المنطقة الممتدة من فلسطين إلى كازاخستان، وخصوصاً على غرب آسيا، ومن ضمنه القفقاس غير البعيدة عن أوكرانيا.
هنالك إذن تهديد مباشر يستهدف روسيا، والرئيس بوش نفسه جاهر برغبته في إخراج روسيا من القفقاس وآسيا الجنوبية. وفي هذه الأجواء تصبح جورجيا بمثابة إسفين متقدم يمكن أن يدق في خاصرة روسيا القفقاسية. ومن هنا جاء التفاوض الغربي السريع معها بهدف ضمها إلى الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، ومن هنا أغدق البنك الدولي مدائحة على سياسات الإصلاح الاقتصادي في جورجيا في ظل حكم رئيسها ميخائيل ساكاشفيلي.
لكن المشكلة ليست جيوسياسية دولية فقط، فهي موجودة أيضاً داخل جورجيا، وهي تحديداً على صلة بقضيتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهما إقليمان كانا تابعين لـ "إمبراطورية" جورجيا إبان الحقبة السوفياتية منذ أيام ستالين الذي كان فخوراً بكونه جورجياً. وكان الإقليمان قد بدأا بالسعي للانفصال عن جورجيا حتى قبل تفكك الاتحاد السوفياتي، ثم انتهزا فرصة تفككه لإعلان استقلالهما شأن جميع بلدان الأسرة السوفياتية. لكنهما على العكس من جميع هذه البلدان، لم يحصلا على اعتراف المجتمع الدولي (مظهر أول لسياسة الكيل بمكيالين)، وبذلك دخلت علاقاتهما مع السلطة المركزية في جورجيا في حالة من التوتر الشديد والمواجهات العسكرية التي انتهت بوضع قوات حفظ سلام روسية في الإقليمين، إضافة إلى وجود أصلي لـ(2880) جندي روسي في جورجيا.
ومنذ انتصار الثورة الوردية بدأت جورجيا مدعومة من الغرب بالمطالبة بسحب القوات الروسية.. روسيا وغالبية السكان في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ممن منحوا الجنسية الروسية يعتبرون ان وجود القوات الروسية في الإقليمين لحمايتهما من جورجيا مكافىء لوجود الأطلسي في كوسوفو لحمايته من صربيا، ويرون ان الدعم الغربي للمطلب الجورجي بانسحاب القوات الروسية هو مظهر ثانٍ لسياسة الكيل بمكيالين.
وقبل التطورات الأخيرة ارتفعت، نهاية العام الماضي حدة التوتر بين موسكو وتبليسي بعد توغل القوات الجورجية في أبخازيا ووقوع اشتباكات حدودية بينها وبين أوسيتيا الجنوبية. وفي هذه الأجواء اعتقلت السلطات الجورجية ديبلوماسيين روس، وردّت موسكو بإجراءات شاملة وصارمة. لكن المشكلة حلت في مجلس الأمن الذي أصدر قراراً في 13 تشرين الأول/أكتوبر الماضي،طلب فيه إلى تبليسي احترام وقف إطلاق النار،وأشاد بالوجود العسكري الروسي في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. عدم عرقلة القرار من قبل واشنطن فسر بأنه رد على موقف روسيا الشاجب للتفجير النووي الكوري.
لكن المنشق الروسي الملياردير بيريز بيريزوفسكي المقيم في لندن اعتبر مؤخراً أن السبب هو عدم رغبة واشنطن المتخبطة في وحول العراق وأفغانستان بالتصعيد مع موسكو..لكن عدم رغبة واشنطن بالتصعيد لا يبدو أنها تلقى هوى من ميخائيل ساكاشفيلي قائد الثورة الوردية.. والعديد من المراقبين شككوا بآلتهم الموجهة إلى روسيا والتي أججت الأزمة الحالية، واعتبروا ان ساكاشفيلي يتصرف من وحي إحساسه بالضعف في مواجهة المعارضة الداخلية، ويحاول تحريك المشكلة الكبرى للقفز فوق مشكلات الداخل. ويضيف المراقبون: هذا السلوك قد يؤدي بجورجيا إلى فقدان الصدقية إذا ما احتاجت مستقبلاً إلى الدعم الغربي.
ع.ح.
الانتقاد/ العدد1230 ـ 31 آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018