ارشيف من : 2005-2008
اليونان: حريق لا سابق له... في التاريخ
الحرائق نصف مساحة البلاد، وعندما يشب 63 حريقاً، يوم الأحد الماضي (26/8/2007)، لم يكن قد أخمد منها عند حلول المساء غير أربعين حريقاً. وحرائق الأحد غيض من فيض الحرائق التي بدأت بالاندلاع منذ الخميس (23/8/2007)، والتي بلغت ضحاياها البشرية نحو الستين ضحية حتى مساء الأحد، مع توقع سقوط المزيد من الضحايا مع استمرار الحرائق وتصاعدها المحتمل.
جثث متفحمة في الحقول والبيوت وعلى الطرقات وفي وسائل النقل، وقرى بأإكملها تحاصرها النيران من كل جانب، ومراسلو وكالات الأنباء يروون أكثر من خبر عن أناس شاهدوهم وهم يستغيثون وسط ألسنة اللهيب.
والنيران وصلت إلى أبواب أثينا، العاصمة، في حين تراكم فوق أسطحها وشوارعها رماد أبيض كثيف وغصت سماؤها بسحب الدخان الكثيف. المستشفيات مليئة بالجرحى ممن احترقوا جزئياً، وخصوصاً ممن يشتكون من مشكلات في التنفس. أما المدارس والفنادق فقد امتلأت، من جهتها، بالمنكوبين الفارين من اللهيب. وإلى الضحايا البشرية، تضاف آلاف الرؤوس من الحيوانات المحترقة في الحقول والحظائر، ومئات الألوف من الهكتارات التي تحولت أشجارها وأعشاب حقولها إلى فحم ودخان، ومئات المنازل.
ولحسن الحظ، يشدد على ذلك المراقبون، فإن المواقع الأثرية في بيولوبونيس ومنطقة أوليمبيا التي شهدت ولادة الألعاب الأولومبية، قبل 2500 عام، والعديد من المناطق السياحية الأخرى قد تأمنت لها الحماية الكافية.
أربعة آلاف جندي يوناني تم زجهم في حرب الخنادق ضد النيران، إلى جانب الآلاف من رجال الإطفاء والمتطوعين المدنيين الذين هرعوا مزودين بالدلاء وأغصان الأشجار للإسهام في عمليات الإطفاء. عشرات الطائرات القاذفة للماء تلقي حمولتها من الماء والزبد على بؤر النيران قبل أن تعود إلى البحر للتزود مجدداً بالماء. وعلى الأرض مئات سيارات الإطفاء. وكل هذا لا يبدو كافياً للحد من توسع رقعة انتشار اللهيب المتنقل. لذا ينتظر وصول 34 طائرة إضافية في جملة مساعدات بدأت بالوصول إلى اليونان من اثني عشر بلداً أوروبياً.
سبقت حرائق اليونان الحالية حرائق اندلعت في حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو الماضيين، وأوقعت عشرة قتلى، في جملة مئات القتلى الذين سقطوا في بلدان أخرى في أوروبا الجنوبية بفعل الحرائق وموجات الحر. وإذا كان الحديث يتردد، في أجواء الكارثة الحالية، عن الكارثة السابقة وإن كانت أقل أثراً بكثير، فلأن الناس يتهمون الحكومة بعدم أخذ العبرة والاحتراس مما هو أسوأ.
أما وقد وقع الأسوأ، فقد تحول اتهام الحكومة بالتباطؤ إلى حالة من السخط يبدو أنها ستعبر عن نفسها ضد حكومة كوستاس كارامنليس المحافظة في الانتخابات النيابية المقررة في 16 أيلول/سبتمبر. كارامنليس سارع، من جهته إلى إعلان حالة الطوارئ والحداد لمدة ثلاثة أيام، واتهم مجهولين بإشعال الحرائق، ووضع مكافآت مالية تتراوح بين مئة ألف ومليون يورو لكل من يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على أحد المتهمين. كما قرر منح مبلغ عشرة آلاف يورو لكل شخص فقد قريباً له أو بعض ممتلكاته.
هل يكفي ذلك للتخفيف من موجة السخط؟
لا يبدو ان الأمر كذلك لأن الكثيرين يتهمون الحكومة، إضافة إلى التقاعس عن تلافي الحرائق، بأنها تركت الناس لمصيرهم ولم تقم بما يكفي من أجل إنقاذهم.
الأسوأ أن للمشكلة وجهاً سياسياً هو غير وجهها المتصل بالنشاط البشري المسؤول عن توسع الكارثة المناخية على النطاق العالمي. نشاط بشري من نوع آخر متصل بالجشع الذي يمتطي صهوة الفساد والتحايل على القوانين هذه المرة. فالقانون اليوناني يمنع البناء في الغابات والمناطق الحرجية المصنفة كمحميات طبيعية.
ولكن البناء يصبح ممكناً إذا ما كفت تلك الغابات والمناطق عن أن تكون كذلك.
ولتحقيق ذلك، يكفي أن توضع النار في هذا المكان أو ذاك من الأمكنة التي يتوسم فيها المقاولون فرصاً للربح العميم. لكن إشعال النار في أحد الأمكنة لا يعني أن النار تلتزم بما يحدد لها من حدود. فهنالك الشرر المتطاير، والريح الناقلة للهيب، وهنالك خصوصاً الجفاف الصيفي الذي يعشق اجتذاب النيران إليه... وبذلك تنفلت الأمور من عقالها وتستحيل السيطرة على الأوضاع. ومن هنا، يكون من الممكن للحكومة، إذا ما كانت تريد التعامل بجدية مع المشكلة، وإذا لم يكن بعض أطرافها في تواطؤ مع أصحاب المشاريع، أن توفر الملايين التي تعد بها من يساعد في إلقاء القبض على المشبوهين، بأن توجه التحقيق باتجاه المستفيدين من الحرائق. مثل هذه الأفكار تسري حالياً في الشارع اليوناني كما تسري النار في الهشيم لتنفتح على أزمة من شأنها أن تعصف بالقيم التجارية اللاأخلاقية التي باتت تشكل الأساس في أنظمة الحكم في اليونان وغير اليونان.
نشوب الحرائق اقتصر فقط على نصف الأراضي اليونانية. ماذا عن المناطق الأخرى؟ منطقة سيفالونيا الواقعة غربي البلاد هزها زلزال بقوة 5 درجات على مقياس ريختر، لكن تركيز الاهتمام على الحرائق حال دون الالتفات إلى الزلزال. أما بقية المناطق فلا تزال تترنح تحت ثقل موجة الحر التي تضرب جنوب أوروبا منذ ما قبل بداية الصيف، دون أن يعني ذلك أنها لا تضرب مناطق أخرى في العالم. ضحايا ارتفاع درجات الحرارة خلال الأسبوع الماضي بلغوا الخمسين في عدد من الولايات الأميركية مثلاً. ودرجات الحرارة نفسها مسؤولة عن التسبب بالأعاصير، كالإعصار "دين" وما سبقه وما تلاه. وعن التسبب بالفيضانات. 600 قتيل في كوريا الشمالية... 150 ألف مشرد في السودان... وإحدى الصواعق سقطت على أحد أعمدة التوتر العالي في إحدى الولايات الأميركية فصعقت ثلاثة اشخاص...
وإلى جانب النشاط البشري الذي يدمر البيئة بالتطرف في ربط الحضارة بقوة النار، مع تلطيف ذلك بأسماء من نوع الانحباس الحراري وسخونة الأجواء، قد ينبغي البدء برؤية المشكلة من زاوية فلسفية ـ دينية: في عصر غزو الفضاء وثورة الاتصالات لم يصل إعجاب الانسان بنفسه جراء مخترعاته، إلى المستوى الذي وصل إليه قبل آلاف السنين عندما تمكن من استخدام النار. ولم يحدث للإنسان أن أحب أحد مخترعاته كما أحب النار. وإذا كانت النار قد عبدت في القدم، فما هو الاسم الذي يمكن أن نطلقه اليوم على علاقة الإنسان بالنار؟ النار التي شاءها إنسان الحضارة الحالية طريقاً نحو فردوسه الأرضي الموهوم أفضت به إلى جحيم ارضي حقيقي. أما جحيم الآخرة... فتلك قصة أخرى.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1230 ـ 31آب/أغسطس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018