ارشيف من : 2005-2008
إحصاء
أحصي أموالي المنقولة، أقول: "درهم وقاية خير من قنطار بكاء"، وأقول أيضاً: "خبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود". والأيام السوداء حالكة. بوش سيقبض عليها، كما يقبض القرصان على هلال البحار.
أحصي دمي المستورد داخل شراييني وخلاياي، أقول: ليته في أو كمية من نحاس، ليته يختبئ في أمكنة حصينة وداخل أسوار الجسد، فدمي مباح، نجا بالأمس من السفك، قد يزفونه للجراح غداً.
أحصي دموعي، أقول: أنا بحاجة اليها كثيراً. الزمن الفلسطيني مصنوع من استدارات الجلجلة. الزمن العراقي يتألف من حصاد لأطفال بعمر السنابل، لنساء ارتدين السواد في أعراس الدم، لرجال يكدّسون في توابيت الغياب.. أقول هولاكو هناك، فلأحتفظ فقط بحاسة الدمع، بشعور المناديل، فأنا بحاجة إلى البكاء.
أحصي أصابعي العشرة في مطارح الكفين، أقول: انتبه لحركة الأعصاب، فأنا بحاجة إلى ليونة وتدريب، أنا بحاجة إلى وضع أصابعي العشرة على الزناد، العدو يقيم في السهو، يعدو في الكلمات، يتقدم على أعمارنا ويدوس ما كنا موعودين به من عمر، العدو اختارنا، اذاً، كن مقاتلاً، فاحترس ليديك، صوّب جيداً على لائحة الاتهام.
أحصي كلماتي، لم أعد بحاجة إلى الجمل الطويلة، حيث يضيع المعنى، ويتسيّب القول، ويهدر النص، أقول: قاموسي من كلمات قليلة، كثير من الحب، وأكثر منه من الغضب، كثير من الحنان، وأكثر منه من الصراخ، كثير من الانسانية، وأكثر منه في الاستماتة.
أقول: قاموسي على قياس قامتي. أحدّد من خلاله ملامح العدو الخارجي، أكتشف فيه سحنة العدو الخارجي، أقول: اعتنِ باللفظ جيداً، أقول: "حذار الكذب والتدليس".
أقول: لا تبع كلامك لأحد. احتكره وحدك، لا تضعه في قدم السلطان. ولا تصنعه تاجاً له، كلامك حصانك إن امتطيته بشهامة، أوصلك إلى السلامة، أقول: فليكن كلامك الفضيحة، افضح به من يخون: من يهون، من يراهن على الأعداء.
أحصي أصدقائي ورفاقي وأحبائي، أقول: خسرت منهم الكثير، بعضهم سقط، بعضهم ارتحل إلى طوائفه، بعضهم فضّل الزغل على الوضوح، تمسك يا رجل بمن بقي من الرجال والنساء والأطفال، كن خلفهم لأنهم تقدموا عليك في الصمود، جادلهم بالتي هي أحسن، ثم لا تنس أنهم في ذمة الحياة، وأنت مسؤول عن قلوبهم والهواء الذي يتنزه في الرئتين.
أحصي أعدائي كلهم فأجدهم واحداً بوجوه كثيرة، أقول: كن صائباً وصوّب جيداً. إنهم يشبهون بالتمام والكمال والنطق واللكنة، سحنة الرئيس الأميركي جورج بوش. أقول: لا تعجب يا رجل، عرب كثر يشبهونه، من المحيط إلى الخليج، أقول: بوش رئيس عربي، ملك عربي، أمير عربي، سلطان عربي، طوائف عربية، إعلام عربي، فكر عربي، أبجدية عربية، أقول: لا تخف أحداً، صوّب دمك، قاتل بدموعك لا تدع أصابعك ترتجف ولا تخصي الكلام، قاتل حتى يصاب الاحتلال بالدوار، أغرقه في حيرة القوة، دعه يسأل: "أنا القوي وأموالي العضاريط الرعاديد" لماذا؟ دعه يغرق في دوّامة البحث عن مخرج، مهزوماً، تماماً كما خرج شبيهه من مارون الراس وبنت جبيل، تماماً كما خرج معتمراً هزيمته في الجحيم العراقي، أقول: كن كفيلاً بأعدائك، وهم واحد متعدد من لبنان إلى فلسطين إلى مخابئ الناس في القارة العربية المزدحمة بالكسل الشعبي.
أحصي مستقبلي بعد ذلك، أقول: تفاءل بما يلي وبمن يلي، أقول: قاتل بيأسك يأسك واقتلهما، أقول: "إياك والعد العكسي"، أقنع نفسي بأنني أتقدم دائماً إلى المستحيل، المستحيل الوطني ممكن ـ المستحيل القومي حلال، المستحيل من الحرية سيختفي، المستحيل من الإنسان سينسحب، أقول: المستقبل ليس زمناً، ليس روزنامة، ليس ماضياً مختلفاً، ليس حاضراً بطريقة أخرى، المستقبل همس وإنجاز.
المستقبل انسان قيد الولادة، وقيد الإنجاز.
إذاً، أحصٍ دمك يا رجل،أحص دموعك،أحص مالك، أحص أصابع يديك وكلماتك وأصدقاءك، أحص قلبك وعقلك، ولا تترك فضاءً لا تقبض عليه بعينيك، كن غداً.
آمن أكثر يا رجل، "لقد مروا جميعاً من هنا"، لوحة نهر الكلب سجلت عواء رحيلهم. لن يبقوا هنا أبداً.
اننا نقبض على حق يكوينا كالجمر، ان رميناه اشتعل العالم حولنا، وانزلقنا إلى الهلاك، آمن أكثر، أن الحياة جديرة بالحياة. وثقافة الحياة وحب الحياة، وليس أكثر من الأحرار يحبون الحياة.
تقدم أيها الرجل، تقدم أيها الطفل، تقدمي أيتها المرأة، العدو ليس إلهاً، والمستقبل ليس عدماً، وفلسطين ليست "اسرائيل"، ونحن لسنا خدماً على المائدة الأميركية.
غداً.. يبدأ إحصاء الزمن الآتي بطريقة أخرى، سيكون عربياً إنسانياً فائق الحرية.
تقدم أيها الرجل .. ولا تخجل بقبضتك، أزح الأبواب، اخلعها، اكسر خشباتها ولا تقنع بغير الباحة ومكان الصدارة من الحرية.
غداً.. عصر آخر..
غداً.. إنسان آخر.
غداً.. وطن آخر.
غداً.. يندحر الأعداء، أو يموتون في كفن الضمير.
الانتقاد/ العدد 1231 ـ 7 أيلول/سبتمبر 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018