ارشيف من : 2005-2008
ارتفاع نسبة التضخم: دولة ترعى الاحتكار
يشهد لبنان هذه الايام ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة التضخم، يأتي بعد ثبات على مستوى هذا المؤشر منذ العام 1996 ما يفسر حالة الغلاء التي يلحظها المواطن. غلاء يكاد لا يستثني اي خدمة او سلعة اساسية او كمالية.
الاقتصاد الآن
لفهم ظاهرة ارتفاع الاسعار لا بد من معاينة الواقع الاقتصادي الحالي الذي يعيشه بلد ارتكبت فيه ومنذ العام 1992 اخطاء اقتصادية استراتيجية ابرزها ربط مستويات الفوائد لتثبيت سعر الصرف واعتماد سياسة فتح الحدود الاقتصادية على مصراعيها واللجوء الى زيادة الاعباء الضريبية وغياب سياسات الانماء المتوازن والتركيز على قطاعات دون اخرى. فكانت النتيجة تعثر وتباطؤ ومستويات عالية من الفقر خفف نسبيا من وطأته الكبيرة على كاهل اصحاب المداخيل المحدودة نوع من الاستقرار السياسي والامني، فكيف هو الوضع الاقتصادي اليوم في ظل اخطاء سياسية استراتيجية كالاستثمار ورفض مشاركة قسم اساسي من اللبنانيين ما يحول دون اتخاذ قرارات صعبة وضرورية ومصيرية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
ولا شك أن اللبنانيين امام كتلة من المشاكل الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية والمالية بدءاً من الغلاء والتضخم مرورا بالصرف من الخدمة والبطالة والهجرة وصولا الى التردي الذي نشهده في الخدمات الاساسية التي تقدمها مؤسسات الدولة للمواطن مثل الكهرباء والضمان، يضاف اليها اننا نعيش في ظل نظام احتكاري يمنع المنافسة القادرة على تقديم السلع والخدمات بأفضل المواصفات وأدنى الأسعار.
ويزيد من هذه المشكلة ان هذه الاحتكارات تحظى بحماية مباشرة من خلال القوانين والتشريعات من جهة ونفوذ أصحاب الاحتكارات لدى الطبقة الحاكمة من جهة ثانية. وقد يفاجأ اللبناني انه يعيش ضمن ازدواجية غريبة، فهو من جهة "ينعم" باقتصاد حر ومن جهة ثانية يشمل الاحتكار القطاعات الحياتية الاساسية من صحة وبناء وطاقة ومصارف، فيساهم الاحتكار برفع الاسعار بنسبة عالية جداً حيث وصلت الارباح الاحتكارية في سعر الاسمنت الى 200% وشكلت ضريبة الاحتكار 110% من كلفة الاستيراد والارباح القانونية على صفيحة البنزين.
بالأرقام
إذا أردنا ترجمة هذا الكلام بالارقام نكون امام المؤشرات التالية:
ـ ان النمو الاقتصادي الذي كان يفترض ان يكون ايجابياً بنسبة 1,5% انقلب الى سلبي ما بين 1,5% و2% في الفصل الاول من العام 2007.
ـ تراجع القطاع السياحي بنسبة 30%.
ـ تراجعت حركة بورصة بيروت الى حوالي 17%.
ـ لامس عجز الكهرباء المليار دولار سنوياً.
ـ لامس عجز صندوق الضمان الاجتماعي حوالي 275 مليار ليرة سنوياً (كلا العجزين في الكهرباء والضمان يشكلان 60% من عجز الموازنة العامة).
ـ بلغ عجز ميزان المدفوعات الذي يدل على تراجع الرساميل الوافدة 207 مليون دولار مع نهاية حزيران 2007 بعدما كان سجل فائضا في الفترة ذاتها من العام الماضي ونموا قدره 2562 مليون دولار.
تراجع مستمر
"هذا الواقع، يعني أننا أمام تراجع مستمر، فالسنة الحالية اسوأ بكثير من السنة الماضية"، هذا ما يؤكده الخبير الاقتصادي ونائب مدير المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق عبد الحليم فضل الله، ويقول: "في العام 2006 كنا نأمل بحدوث تطورات ايجابية من خلال عملية اعادة الاعمار التي كان يفترض أن تعوّض النمو الفائت لبعض القطاعات وبالتحديد السياحة، إلا أن ما شهدناه هذا العام كان مزيداً من التباطؤ وسلسلة مؤشرات سلبية نسبة الى العام الماضي مثل التراجع في نمو الودائع وعزوف المصارف عن تمويل عجز الخزينة وتراجع تقييم لبنان السيادي".
الامل الوحيد برأي فضل الله هو "وصول مساعدات باريس3 التي يأتي بعضها ولكن من خلال نقاط ضيقة وبتباطؤ ورهناً بشروط سياسية".
اما ظاهرة الغلاء فيرى فضل الله ان "السياسات النقدية عملت على تثبيت سعر الصرف دون تثبيت معدل التضخم، وهو يصل اليوم الى 6% كرقم رسمي", ويتوقع فضل الله ان يكون "الرقم الحقيقي أعلى من الرقم المعلن"، ويفسر الغلاء الحالي بأنه "ناتج عن جذب العرض اضافة الى ارتفاع الاسعار العالمية للمواد الاساسية"، ولا ينسى ربط الليرة بالدولار فقط وليس بسلة العملات، ولا يجعله عرضة للتأثر المباشر بأي انخفاض يتعرض له الدولار عالمياً، وبأي مفاعيل تضخمية تعانيها الولايات المتحدة الاميركية".
هل يمكن للدولة ان تقوم بإجراءات لمعالجة ظاهرة الغلاء والتضخم؟ يقول فضل الله ان "الدولة يمكن ان تحدد اسعار بعض السلع الاساسية الا ان واجبها هو مراقبة الجودة ومعالجة مشكلة الاحتكار من خلال قوانين تحمي المواطن". ويشير الى ان "هناك قانونا لتشجيع المنافسة يتم اعداده في المجلس النيابي، لكنه لا يأخد بعين الاعتبار مواجهة الاحتكار".
منذ العام 1996 عانى الاقتصاد اللبناني ركودا وتباطؤاً مترافقين مع ثبات في مستوى التضخم، اما الان فإن وصول نسبة التضخم الى مستويات عالية يعني اننا دخلنا في دائرة الخطر الاجتماعي والمعيشي الحقيقي، فهل يستطيع اللبناني احتمال هذا الواقع الجديد؟.
بثينة عليق
الانتقاد/ العدد1231 ـ 7 ايلول/سبتمبر2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018