ارشيف من : 2005-2008
الجيش يطهّر "البارد" من "فتح الإسلام".. فهل يكشف القضاء الحقائق؟
.. وفي اليوم السابع بعد المئة من المعارك الضارية التي استخدمت فيها مختلف الأسلحة المتوسّطة والثقيلة والمروحيات، نجح الجيش اللبناني في القضاء على مجموعة "فتح الإسلام" المنضوية تحت جناح تنظيم "القاعدة"، والمموّلة محلّياً وعربياً وأميركياً، واستئصالها من جذورها، موجهاً بذلك تهديداً مباشراً إلى كلّ من تسوّل له نفسه نسف الاستقرار الأمني في لبنان والاعتداء عليه.
ومرد تفوّق الجيش اللبناني في تطهير مخيّم "نهر البارد" من هذا التنظيم يعود إلى أمرين: أوّلهما التضحيات الجسام التي قدّمها في سبيل الحفاظ على لبنان وأمنه واستقراره، حيث بلغ عدد شهدائه 163 بين ضابط ورتيب ومجنّد، وأكثر من ألفي جريح، وهو رقم كبير ينمّ عن القدرة الفائقة لهذا التنظيم في التدريب والتسلّح والتحصّن بما يتجاوز عمل عصابة صغيرة كما حاول النائب سعد الدين الحريري الإيحاء بذلك، وردّدها من ورائه نوابه ووسائل إعلامه وتوابعها وتوابلها! وهذا ما دفع بقائد الجيش العماد ميشال سليمان إلى نفي هذه الصبغة التخفيفية المستهجنة، لأنّها تمس بمعنويات الجيش وهيبته، خصوصاً أنّ الاشتباكات استمرّت وقتاً طويلاً يتخطّى قدرة عصابة و"مافيا" على الصمود طوال ستّة عشر أسبوعاً.
والأمر الثاني يتمثّل في الدعم العسكري الذي وفّرته سوريا للجيش اللبناني، حيث قدّمت له بموجب الاتفاق المبرم بينهما مختلف الأسلحة والذخائر والعتاد المطلوب لمثل هذه المواجهة الساخنة بعدما تُرك وحيداً وغُدر به على مرأى من حكومة فؤاد السنيورة غير الميثاقية، التي لم تفعل له شيئاً ولم تقدّم له إلاّ كلاماً معسولاً منتهي الصلاحية.. ثمّ صحّحت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وغيرهما لها موقفها وقدّمت مساعدات طفيفة للجيش لم تكن بالمستوى المطلوب، بحسب ما يستشفّ من كلام العماد سليمان.
وتوقّف المراقبون عند التجاهل التام لوزير الدفاع غير الشرعي إلياس المرّ في مؤتمره الصحافي لسوريا وعدم شكره لها على ما فعلته لاستنهاض الجيش وتعزيزه بالشكل المناسب بما يقوّي من ساعديه، وتقديمه الشكر لآخرين لم تصل معونتهم إلى المستوى المطلوب، وهذا ما يدلّ على عدم حياديته وعدم رغبته في تسجيل اعتراف حكومي بالمساعدات السورية لئلا يلام عليها، برغم أنّ رئيس الأركان اللواء شوقي المصري أقرّ بأنّها كانت خلال الوجود السوري في لبنان، ولم تتوقّف ولم تضمحلّ بعد الخروج من لبنان في شهر نيسان/ أبريل من العام 2005.. وإنْ كان الأخير قد تلعثم وارتبك عندما سُئل عن سقطة المرّ، ولكنّ كلامه يؤكّد بما لا يقبل الشكّ أنّ سوريا تستحقّ الشكر أكثر من بقيّة الدول، لأنّ مساعداتها مستمرّة وليست آنية وظرفية ومؤقّتة ومرتبطة بحرب صغيرة، فسوريا وقفت إلى جانب الجيش اللبناني ودعمته في أحلك الأوقات وأشدّها ظلاماً عليه وعلى وطنه وشعبه.
وبحسب المعلومات المتوافرة لـ"الانتقاد"، فإنّ الجيش اللبناني واجه موقفاً حرجاً في معارك "نهر البارد" بسبب الحجم الضئيل لتسلّحه، وما إن وصلته المساعدات السورية حتّى استعاد زمام المبادرة والسيطرة على الميدان العسكري وبدأ بتضييق الخناق رويداً رويداً على المسلّحين حتّى تمكّن في نهاية المطاف من الإجهاز عليهم، بحيث لم يعد لهم وجود يمكّنهم من العودة إلى الحياة أو النمو من جديد إلاّ إذا قرّر المستفيدون منهم ومموّلوهم الرئيسيون المعروفون، ضخّ دماء جديدة في شرايين فلولهم الهاربة والمتخفّية في غير مكان ومخيّم للاجئين الفلسطينيين، وهذا أمر مستبعد في المدى المنظور ما لم تطرأ مستجدّات خطرة على الساحة السياسية تستدعي استنهاض همتهم ما دام المال متوافرا بكثرة.
وتكشف هذه المعلومات أنّ الجيش اللبناني استخدم في بدء المعارك تقنياته الخاصة واعتمد على نفسه في تصنيع ما تحتاجه مثل هذه المعارك، فاضطرّ على سبيل المثال إلى تصفيح بعض المروحيات الموجودة بحوزته وتحميلها صواريخ وقذائف ليست مخصصة لها، وإنّما تعود إلى طائرات من نوع آخر، وتحديداً طائرات الـ"هوكر هنتر"، لقصف ملاجئ المسلّحين وتدميرها فوق رؤوسهم.
ولئنْ كانت "الحاجة أم الاختراع" على ما يقال، إلا أنّه يفترض بالسلطة والفريق الحاكم إيلاء تسليح الجيش بأحدث المعدّات اللازمة الأهمية القصوى، لما لذلك من فائدة جمّة على لبنان وأمنه، سيما أنّ العماد ميشال سليمان أكّد في "أمر اليوم" الذي وجّهه إلى العسكريين لمناسبة هذا الانتصار، الدعوة إلى "إبقاء بندقيتكم مصوّبة في الاتجاه الصحيح، نحو العدوّ الإسرائيلي، ونحو الإرهاب المتربّص شرّاً بالوطن حتّى اجتثاثه من جذوره".. مؤكّداً بذلك أنّ "عقيدة الجيش اللبناني ثابتة ولم تتغيّر مهما حاول المتضرّرون استبدالها بمفهوم آخر يناسب مزاج إدارة جورج بوش".
وكان لافتاً للنظر أيضاً ما ورد في "أمر اليوم"، حيث خصّ سليمان شهداء المقاومة بالذكر وأهداهم هذا الانتصار وساوى شهداء الجيش بهم، وقال بالحرف الواحد: "أهدي هذا الانتصار إلى أرواح شهداء الجيش والمقاومة الذين افتدوا الوطن بأرواحهم الطاهرة، وإلى عائلاتهم الأبّية الصابرة، وإلى العسكريين الجرحى وكلّ اللبنانيين والإخوة الفلسطينيين الذين نبذوا بكلّيتهم ظاهرة الإرهاب". وما هذا الكلام الجريء سوى اعتراف بتضحيات المقاومة، بعكس تجاهل حكومة السنيورة لها ووقوفها ضدّها في الحرب الإسرائيلية الأميركية المشتركة عليها في صيف العام 2006، وتمييز للمقاومة عن النعت الدائم الذي تحاول الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية إلصاقه بها.
وكعادتها في الاستغلال السياسي سعت قوى 14 شباط/ فبراير إلى سرقة انتصار الجيش اللبناني وتجييره لمصلحتها، عبر الادعاء بأنّها أيّدته منذ وقوع هذه الأحداث في 20 أيار/ مايو 2007، بينما اتضح بحسب بعض المتابعين أنّ "سرورها بالانتصار مؤدّاه مقتل المسؤولين والقياديين في "فتح الإسلام" الذين كانت لهم علاقات ببعض مسؤولي 14 شباط، جعلتهم طول الفترة الماضية تحت الشبهة، خصوصاً أنّ فتيل الاشتباكات تفجّر بعيد رفض دفع رواتب هؤلاء المسلّحين، عندما حضر وفد منهم كالمعتاد إلى بنك "البحر المتوسط" المملوك من آل الحريري في بلدة أميون الشمالية لقبض مستحقاته التي اعتاد عليها شهرياً".
وإذا كان الجيش اللبناني غير معني بالتحقيق وبكشف وقائع الأحداث النارية الصاخبة وما جرّته من آلام وجروح في الجسد اللبناني، باعتبار أنّ المهمّة مناطة حكماً بالقضاء، إلاّ أنّه لن يقف "متفرّجاً" إزاء أيّ محاولة لإخفاء معالم هذه الجريمة، وهو الذي دفع الثمن غالياً من دماء رجالاته من مختلف الطوائف والمذاهب، على غرار ما حصل في قضية الأحداث التي وقعت في جرود بلدة الضنية الشمالية في العام 1999، واستشهد فيها ضبّاط وعسكريون ولم ينل الجناة القصاص اللازم، بل خرجوا من السجن بفضل عفو فرضته الولايات المتحدة الأميركية بواسطة سعد الدين الحريري ووليد جنبلاط لإخراج حليفهما سمير جعجع من السجن، وهو المحكوم في غير دعوى ومن أعلى هيئة قضائية في لبنان.
ويبقى كشف حقيقة "فتح الإسلام" ومن يقف وراءها رهن أيّ تحقيق جدّي بات جميع أهل السلطة مطالبين به، في ظلّ مقتل مسؤولي هذا التنظيم وعدم توقيف أحد منهم، وذلك لئلا يكون هذا الأمر مؤشّراً على طيّ صفحة هذا التنظيم المؤلّف بأغلبيته الساحقة من لبنانيين، وما في سطورها من أسرار وألغاز، باعتبار أنّهم هم وحدهم يملكون المعلومات عمن كان قد أنشأهم وأطلق يدهم وساندهم بالمال والعتاد، ووفّر لهم أوكسجين البقاء على قيد الحياة حتّى جرى التخلّص منهم.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد 1231 ـ 7 أيلول/سبتمبر 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018