ارشيف من : 2005-2008
الدعوة الرسمية المبكرة الى جلسة الرئاسة تسدل الستار على تعديل الدستور
دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري رسمياً ظهر أمس الأول الأربعاء إلى عقد جلسة عامة لمجلس النواب في العاشرة والنصف من صباح يوم الثلاثاء في الخامس والعشرين من أيلول الحالي لانتخاب رئيس الجمهورية، شكلت دعوة مبكرة وأحدثت أكثر من تفسير لإطلاقها قبل عشرين يوماً على موعد عقد الجلسة.
الدعوة الرسمية المبكرة لهذه الجلسة التي كان بري أعلن منذ أشهر أنه سيعقدها في هذا التاريخ، أدخلت الاستحقاق الرئاسي في سياقه الدستوري الرسمي. كذلك فإن التبكير في الدعوة دفع المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت المساعي التوافقية تحرز تقدماً، أم أن الرئيس بري أراد من خلالها توجيه رسالة إلى فريق السلطة، ودعوته هي للكف عن "المناورة وكسب الوقت" وإعطاء جواب واضح على مبادرته الرئاسية التوافقية التي كان أطلقها الأسبوع الماضي من بعلبك.
كذلك هناك من يرى أن هذه الدعوة المبكرة إلى الجلسة العامة قد أسدلت الستار نهائياً على امكانية تعديل الدستور، وذلك أنه في حال التوافق على تعديل الدستور لمصلحة قائد الجيش العماد ميشال سليمان كمرشح تسوية أو غيره من الموظفين، فإن المهلة المتاحة دستورياً لهذا التعديل تنتهي في الرابع والعشرين من أيلول الحالي، لأنه في هذا التاريخ تبدأ المهلة الدستورية للاستحقاق الرئاسي ويتحول مجلس النواب على مدى شهرين إلى هيئة ناخبة في ما خص الرئيس الجديد، ولا يحق له التشريع. وعليه فإن دعوة الرئيس بري رسمياً إلى الجلسة منذ الأربعاء يعني أن خيار التعديل الدستوري قد انتهى.
وفي هذا السياق لفت قبل أيام اعلان مديرة مكتب شؤون المشرق في الخارجية الأميركية جينا وينستانلي، أن الولايات المتحدة لا تدعم تعديل الدستور، وهو ما يعني قطع الطريق على أي تسوية يمكن أن توصل قائد الجيش العماد ميشال سليمان إلى سدة الرئاسة.
في هذه الأثناء مضى أسبوع على اطلاق رئيس مجلس النواب نبيه بري مبادرته الرئاسية الوفاقية التي قامت على أساس تخلي المعارضة عن مطلب حكومة الوحدة قبل انجاز الاستحقاق مقابل موافقة فريق السلطة على نصاب الثلثين وانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية بالتوافق، والتي أرفقها الرئيس بري بالتحذير من "الشر المستطير" في الأيام العشرة الأخيرة التي تسبق انتهاء ولاية رئيس الجمهورية التي قد يلجأ خلالها فريق السلطة لانتخاب رئيس بأكثرية النصف زائدا واحدا، وهو ما ستواجهه المعارضة بخيارات دستورية وشعبية تمنع فريق السلطة ورعاته الأميركيين من إكمال انقلابهم وسيطرتهم على البلد. وقد حفلت الأيام الماضية بجملة من المواقف وردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية على هذه المبادرة تفاوتت بين "مرحب" و"مطلق للنار" عليها و"متجاهل لها" مناورة وكسباً للوقت، بانتظار الأيام الأخيرة للمهلة الدستورية.
محلياً بدا واضحاً أن المعارضة بكل أطيافها كانت موضوعة في أجواء المبادرة ومطلعة عليها ومتبنية لها قبل اطلاقها من قبل الرئيس بري، وهو ما تأكد لاحقاً في جميع المواقف والتصريحات التي صدرت عن أقطابها، لا سيما حزب الله والتيار الوطني الحر وباقي أطراف المعارضة. وبحسب أوساط متابعة فقد استطاعت المعارضة من خلال هذه المبادرة حشر فريق السلطة في الزاوية، وإسقاط كل الذرائع من بين يديه التي يدعي من خلالها أن المعارضة تريد تطيير الاستحقاق الرئاسي وعدم إتمامه في موعده. وقد ظهر ذلك جلياً في ردود فعل الفريق الشباطي التي تراوحت بين اطلاق النار عليها مباشرة كما فعل رئيس الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط عبر أدواته النيابية وغير النيابية، وكما فعل رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع، وبين التريث الذي التزم به تيار المستقبل مناورة وكسباً للوقت، والترحيب الذي عبر عنه عدد من المرشحين للرئاسة وفي مقدمتهم النائبان بطرس حرب وروبير غانم، والرئيس الأعلى لحزب الكتائب أمين الجميل.
لكن بعيداً عن موقف فريق السلطة "المناور"، فإن تأييداً له أهميته البالغة نالته مبادرة الرئيس بري من البطرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي أعلن لدى مغادرته الى روما أن المبادرة "حسنة".. وجاء هذا الموقف بعدما ارتفع مستوى التواصل بين الرئيس بري والبطرك الماروني بشأن الاستحقاق الرئاسي، فبعد الاتصال الهاتفي بينهما مؤخراً ينتظر أن تتوج حركة التواصل بلقاء ثنائي بينهما بعد عودة صفير من الفاتيكان.
أما على الصعيد الإقليمي فقد حصل ترحيب بالمبادرة من قبل السعودية عبر تصريح أدلى به سفيرها في لبنان عبد العزيز خوجة، أعلن فيه ترحيبه بالمبادرة وأنها تحوي نقاطاً إيجابية. كذلك صدر موقف مماثل عن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي أجرى اتصالاً هاتفياً برئيس مجلس النواب نبيه بري. كذلك لفت المراقبين الموقف السوري الإيراني المشترك الذي صدر من طهران خلال الزيارة الرسمية لوزير الخارجية السوري وليد المعلم بعد محادثات رسمية أجراها مع نظيره الإيراني منوشهر متكي، حيث شدد الجانبان على البعد اللبناني للاستحقاق الرئاسي وترحيبهما بما يتوافق عليه اللبنانيون.
دولياً كان البارز الترحيب والتأييد الفرنسي لمبادرة الرئيس بري الوفاقية، وهو ما عبّرت عنه الخارجية الفرنسية والقائم بالأعمال الفرنسي في لبنان. ويضاف الى ذلك الموقف الايجابي للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من الاستحقاق الرئاسي الذي أكد فيه ضرورة أن يكون الرئيس الجديد من جميع الشرائح في لبنان. وترى باريس أن مبادرة الرئيس بري تفتح مجدداً الباب أمام استئناف المبادرة الفرنسية التي كان جمدها وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير. لكن الأنظار تبقى موجهة الى الموقف الأميركي الذي كان عرقل جميع المبادرات الهادفة لحل الأزمة في لبنان. كذلك جرى تظهير تأييد أوروبي عام لمبادرة الرئيس بري عبر عنه مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا خلال زيارته الأخيرة الى بيروت. لكن يبقى الأساس هو رصد الموقف الأميركي من المبادرة، وحتى الآن لم تعط الإدارة الأميركية أي موقف واضح منها.. كما لم يتسلم الرئيس بري اجابات حاسمة عن الأسئلة التي كان حملها للسفير الأميركي جيفري فيلتمان، ويظهر بشكل واضح أن الإدارة الأميركية تربط تسهيل الانتخابات الرئاسية بشكل توافقي وعدم دفع فريق السلطة نحو ارتكاب معصية انتخاب الرئيس بالنصف زائدا واحدا بما يمكن أن تحصل عليه من تعاون سوري وإيراني في العراق الذي غرقت قوات الاحتلال الأميركي في وحوله.
في هذه الأثناء يستمر الرئيس بري في استجماع المعطيات حول مبادرته الوفاقية، ويجري ويتلقى الاتصالات بشأنها. بري الذي يأمل توفير الظروف الكاملة لنجاح مبادرته يعرب عن خشيته الكبيرة من ذهاب فريق السلطة نحو ايصال البلاد الى المصير المجهول في حال الإقدام على انتخاب رئيس بعيداً عما ينص عليه الدستور، لأن ذلك سيدفع المعارضة الى خيارات جذرية في مواجهة هذه المغامرة. وفي هذا السياق تنبه مصادر قيادية في المعارضة الى أن مرحلة الشهرين المقبلين ستكون مرحلة صعبة على أكثر من صعيد، مشيرة الى أن المعارضة هيأت نفسها لكل الاحتمالات والسيناريوهات المطروحة التي قد يدفع فريق السلطة ورعاته الأميركيون البلد باتجاهها.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد 1231 ـ 7 أيلول/سبتمبر 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018