ارشيف من : 2005-2008
العالم بين حضور الكارثة البيئية وغياب الحلول
لم يكد الإعصار "دين" يجنح إلى السلم بعد أن اجتاح خليج المكسيك قبل أيام، موقعاً حوالي ثلاثين قتيلاً وأعداداً من المفقودين والجرحى والخسائر الفادحة في الممتلكات، حتى بدأ الإعصار "فيليكس" زحفه على المنطقة ذاتها مهدداً بالمزيد من الخسائر. بدأ "فيليكس" هجومه، يوم الجمعة الماضي(31/7/2007)، على شكل عاصفة من الفئة الثانية قبل أن ينتقل إلى إعصار من الفئة الثانية، ليتحول خلال 15 ساعة إلى إعصار من الفئة الخامسة (بقوة الإعصار "دين"). وقد ضرب الإعصار الذي تقدم بسرعة 30 كلم في الساعة، وسط رياح بلغت سرعتها 270 كلم في الساعة، جزيرة غرينادا في بحر الأنتيل، عند الشواطئ الشمالية ـ الشرقية لأميركا الجنوبية حيث اقتلع سطوح المنازل وأعمدة الكهرباء. ثم انتقل إلى سواحل فنزويلا حيث اوقع قتيلاً واحداً وهدد إحدى مصافي النفط، بعد أن أجبر السلطات على إخلاء الشواطئ من المستجمين تلافياً لخطر الأمواج التي تراوح ارتفاعها بين مترين وثلاثة أمتار. وبعدها توجه نحو جزيرة آروبا السياحية التي وصلها الأحد(2/8/2007) بصحبة أمطار غزيرة وغيوم ثقيلة اضطرت معها السلطات إلى وقف حركة الملاحة الجوية. ثم مر بمحاذاة كولومبيا ليكمل سيره نحو نيكاراغوا وهندوراس، ليعبر منها إلى شبه جزيرة يوكاتان المكسيكية التي سبق وضربها الإعصار "دين". وإذا ما استمر دين في التقدم شمالاً، فإنه قد يصل إلى الولايات الأميركية الجنوبية الواقعة على خليج المكسيك حيث يخشى من تأثيراته المدمرة في تلك المنطقة التي تقوم فيها منشآت هامة للنفط والغاز.
ولم يمر "فيليكس" على جزيرة جامايكا التي سبق وضربها "دين" وأجبر سلطاتها على تأجيل الانتخابات التشريعية إلى يوم الاثنين الماضي، ولكن العواصف المصاحبة له مرت بالجزيرة وأعاقت تلك الانتخابات.
المعلومات لا تزال أولية عن الخسائر، لكن تعرض المنطقة لإعصارين من الوزن الثقيل خلال بضعة أيام، واحتمال ولادة أعاصير أخرى، كل ذلك يعطي فكرة عن حالة اللاإستقرار السائدة فيها بسبب تواتر حدوث هذا النوع من الأعاصير. كما أن الخسائر البشرية والمادية المتراكمة تضاف إلى حالة اللاإستقرار لتشكل تهديداً جدياً لمقومات الحياة في تلك المنطقة.
وبالطبع، فإن المنطقة المذكورة، وهي نفسها التي ضربها الإعصار "كاترينا" الذي تركز على الولايات الأميركية الجنوبية قبل عامين، ليست الوحيدة التي تعاني من المفاعيل الكارثية للمشكلة المناخية والبيئية المتفاقمة. فالأعاصير ضربت قبل أيام شواطئ الصين وفيتنام والفيليبين وإندونيسيا. والفيضانات ضربت كوريا الشمالية والهند وباكستان وأفغانستان والصين وبنغلادش. أما موجات الحر والجفاف فضربت أوروبا الجنوبية، وهي لا تزال حتى الآن تلحق أضراراً فادحة في المناطق الغربية من تركيا. والجفاف على صلة مباشرة بالحرائق التي اندلعت في إيطاليا ثم تسببت بكارثة كبرى ذات انعكاسات بيئية وسياسية في اليونان. كما أنه على صلة مباشرة بالتصحر الذي يتقدم من الصحراء الإفريقية نحو بلدان شمالي إفريقيا، وبموجات الجراد التي تنطلق من إفريقيا الشرقية باتجاه أواسط آسيا.
وكانت المخاوف التي أثارتها المشكلة المناخية قد بدأت بالتفاعل على المستوى الدولي منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. فكانت قمة ريو وبروتوكولات كيوتو التي عكست الصلة بين المشكلة المناخية ومتطلبات الحياة العصرية، واتخذت قرارات بتخفيض انبعاث الغازات المسؤولة عن الانحباس الحراري. وعلى الرغم من عدم كفاية إجراءات التخفيض، فإن الإدارات الأميركية المتعاقبة، سواء كانت ديموقراطية أم جمهورية، لا تزال ترفض التوقيع على تلك البروتوكولات التي رأت فيها تهديداً للصناعة الأميركية وخطراً على نمط العيش الأميركي. وقد اقترن الرفض ببروز تداعيات اقتصادية وسياسية للمشكلة حيث يحاول الأميركيون توجيه التهمة بالتسبب في مشكلة الانحباس إلى بلدان كالصين والهند وحتى إلى أفغانستان وبلدان فقيرة في إفريقيا بحجة أن تلك البلدان تحرق كميات كبيرة من الخشب في أعمال الطبخ المنزلي. وفي حين طرحت بعض الشركات المتعددة الجنسية حلولاً غرائبية لحل هذه المشكلة، من نوع تصدير المأكولات الجاهزة إلى تلك البلدان، طرح الأميركيون حلولاً أكثر غرائبية كلها يتطلب استثمارات كبرى في الأبحاث العلمية المعقدة وإنتاج الطاقة البديلة. وبالتوازي مع ذلك، يقتصر الاهتمام بإيجاد حلول للمشكلة باقتراح إجراءات ترقيعية بسيطة كالاعتدال في استهلاك الماء والكهرباء وإدخال تحسينات على محركات السيارات أو استبدال الاستخدام المكثف للبلاستيك، غير القابل للتحلل، بالورق والمعادن. لكن ذلك كله يظل قليل الناجعية في ظل عدم التصدي للجذور الحقيقية للمشكلة.
وفي ظل العجز الدولي عن التوصل إلى اتفاقيات شاملة وملزمة حتى في إطار الحلول الترقيعية، برز اتجاه لتلمس الحلول على نطاق أقل اتساعاً. وفي هذا الإطار، اجتمع الأسبوع الماضي وزراء البيئة الأوروبيون في ليشبونة، عاصمة البرتغال، لتدارس مشكلة الجفاف والحرائق، وذلك تحت ضغط الكوارث التي أصابت جنوبي القارة خصوصاً في إيطاليا واليونان. وطرحت للنقاش مسائل تتعلق بالوقاية من الحرائق والتعامل معها وتنظيم أعمال الإغاثة والمساعدات للمنكوبين. لكن الاجتماع فشل في إقرار تشريعات بهذا الشأن، وخصوصاً بشأن خفض استهلاك المياه على مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث أبدت بلدان الشمال معارضة ملموسة بسبب ارتفاع التكاليف المالية والتعقيدات الإدارية. والواضح أن السبب الحقيقي للمشكلة هو أن تلك البلدان الباردة والغنية بالمياه أقل تأثراً بمشكلة الجفاف والعطش من بلدان الجنوب. والواضح أيضاً أن مشكلة البيئة قد بدأت بدق إسفين جديد في جسم الاتحاد الأوروبي على المستوى السياسي. وفوق ذلك، يبدو أن فقدان الأمل بالتوصل إلى سياسات مشتركة حتى على المستوى الإقليمي بدأ يدفع بلداناً كألمانيا مثلاً إلى اعتماد سياسات خاصة بها، ما يعني في النهاية أن الأمل ضئيل جداً في أن يتساوى الجهد العالمي على المستوى الرسمي مع حجم الكارثة. ولعل فقدان الأمل هذا هو ما يفسر توجه بابا الفاتيكان إلى الشبيبة في الدعوة التي أطلقها مؤخراً إلى حماية الكوكب من التنمية التي أخلت بالتوازن الطبيعي الدقيق، وإلى اعتماد خيارات شجاعة من أجل العودة إلى التحالف الوثيق، قبل فوات الأوان بين الإنسان والأرض. والأكيد أن دعوة البابا إلى مقاومة السباق على الاستهلاك تمس جذور المشكلة في الصميم. لكن يبقى على المهتمين بالموضوع، موضوع الوجود البشري برمته، أن يبدأوا بإنتاج الثقافة المقاومة للاستهلاك، وهي ثقافة لحسن الحظ بسيطة ويمكن إيصالها إلى الجماهير العريضة بمنتهى السهولة والسرعة. إنها ثقافة الإنتاج بأشكاله الأكثر تواضعاً والأكثر بركة والأكثر احتراماً للإنسان وللطبيعة.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1231 ـ 7 ايلول/سبتمبر2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018