ارشيف من : 2005-2008

بوش أمام الخيارات المرة

بوش أمام الخيارات المرة

روبرت غيتس وكبار الجنرالات الأميركيين في الشرق الأوسط والعراق استقبلوا الرئيس جورج بوش الذي وصل إلى العراق بمعية وزيرة خارجيته، كوندوليسا رايس، يوم الاثنين الماضي(3/9/2007). صورت الزيارة التي أحيطت، كسابقاتها، بالسرية المطلقة، لاعتبارات أمنية أكيدة، بأنها محطة على طريق بوش المتوجه إلى أستراليا للمشاركة في قمة "آبيك". لكن الناطقين الرسميين الأميركيين أنفسهم قالوا ان الزيارة كانت أكثر من مجرد محطة، وإنها تأتي تمهيداً لقيام بوش باتخاذ "قرارات استراتيجية". لا يمكن لأحد أن يتنبأ بماهية تلك القرارات ولكن الجميع يعرفون بأنها لن تخرج عن خيارين اثنين. إما مواصلة القفز في الفراغ، أو بتعبير أدق، مواصلة الغرق في المستنقع العراقي الخانق، وإما العمل على الخروج من المستنقع. الخيار الأول هو، بلغة بوش الانتهازية الهادفة إلى الإمعان في تضليل الرأي العام الأميركي، تكرار جاف لشعار حماية الأمن القومي الأميركي من خطر الضربات الإرهابية الوشيكة التي لم يحدث لأي منها أن تحقق منذ ظهور الشعار للمرة الأولى في أعقاب الهجمات على نيويورك وواشنطن. وقد يكون أيضاً تكراراً لشعار نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، وهو الشعار الذي أصبح باهتاً لكثرة ما يعتريه من تناقضات وأكاذيب. لكن اعتماد هذا الخيار "الهجومي" فقد معظم مسوغاته في ظل تراجع شعبية بوش واستقالة معظم معاونيه، وتعاظم وزن الديمقراطيين وحتى الجمهوريين المطالبين بوضع روزنامة للانسحاب، وخصوصاً في ظل فشل الخطة الأمنية ضمن المهلة الزمنية التي انتهت مع بداية أيلول/ سبتمبر، والتي استلزمت إرسال أكثر من عشرين ألف جندي أميركي إلى العراق بميزانية استلزمت تخصيص أكثر من ستين مليار دولار، إضافة إلى الميزانية الأصلية. وخصوصاً أيضاً في ظل الفشل الأميركي الإقليمي من خلال المغامرة التي تورط فيها بوش عبر محاولة ضرب المقاومة في لبنان عن طريق الآلة العسكرية الإسرائيلية في عدوان تموز 2006، وعن طريق بعض الآلات السياسية الداخلية. والفشل الأميركي في لبنان يضاف إلى الفشل الأميركي والأطلسي في أفغانستان التي تشهد تصاعداً متزايداً لأعمال المقاومة.
وإذا كانت زيارة بوش إلى العراق قد توجت كل مظاهر الفشل المذكورة، فإنها تزامنت مع مظهر آخر من مظاهر الفشل تمثل في انسحاب القوات البريطانية من البصرة في أجواء الضغوطات المتزايدة التي تتعرض لها حكومة غوردون براون من أجل التعجيل بسحب القوات البريطانية الموجودة في جنوب العراق. وقد وصف الانسحاب البريطاني من البصرة بالخطوة الرمزية البالغة الدلالة نظراً إلى كون بريطانيا الحليف الأول للإدارة الأميركية في حربها على العراق. وإذا كان رئيس الوزراء البريطاني، غوردون براون، قد حاول التخفيف من وقع صدمة الانسحاب على الأميركيين من خلال القول بأن القوات البريطانية لم تتخل عن التزاماتها في العراق، فإن تصريحات عدد من قدامى الجنرالات البريطانيين التي تضمنت انتقادات حادة للاستراتيجية الأميركية تعكس بشكل أفضل حقيقة الموقف البريطاني المتراجع عن التزامات طوني بلير، وتتزامن مع موقف الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، الذي طالب هو أيضاً بتعجيل الانسحاب من العراق وباعتماد لغة أكثر إيجابية تجاه إيران. 
هل يعني كل ذلك ان الرئيس بوش سيضطر، تحت وطأة ركام الفشل هذا، إلى التسليم بالأمر الواقع واعتماد الخيار الثاني، أي العمل على الخروج من المستنقع، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والخروج من العراق مع الاحتفاظ بماء الوجه؟
ذلك يتوقف على ما ستؤول إليه المواجهات مع الكونغرس خلال الأسبوعين القادمين. أي على مدى تصميم الكونغرس، من خلال القوى المطالبة بوضع روزنامة للانسحاب، على رفع مستوى المواجهة مع بوش إلى حد الامتناع عن الاستمرار بتمويل الحرب. حساسية مثل هذا الموقف، في الوقت الذي يحسن فيه بوش استخدام ورقة عدم حرمان الجنود الأميركيين في العراق من العون، باتت تشكل واحداً من أكبر رهانات حملة الانتخابات الرئاسية القادمة. حملة يحتاج فيها بوش والجمهوريون إلى انتصار حاسم لم يعد في متناول اليد ضمن الإطار المنظور، وإما إلى تهدئة لا بد من أن تعود بالفائدة على القوى الإقليمية المناهضة للسياسات الأميركية في المنطقة. وفي الحالتين يظل بوش أمام خيارين كلاهما مر.
ع.ح.
الانتقاد/ العدد1231 ـ 7 ايلول/سبتمبر2007

2007-09-07