ارشيف من : 2005-2008

سياسة ساركوزي الخارجية.. بين المد الصيني والضغوط الأميركية

سياسة ساركوزي الخارجية.. بين المد الصيني والضغوط الأميركية

باريس ـ نضال حمادة
شكلت الاندفاعة الدبلوماسية الفرنسية في ملفات الشرق الأوسط الشائكة وخصوصا المبادرة الفرنسية في الملف اللبناني التي عبرت عن نفسها عبر انعقاد مؤتمر سيل سان كلو للحوار اللبناني علامة فارقة يمكن من خلالها استشعار  الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الجديدة لفرنسا ساركوزي، بعد الجمود الكبير الذي أصاب السياسة الفرنسية في العالم العربي جراء المواقف التي اتخذها الرئيس السابق جاك شيراك والتي كانت تتخذ بشكل فردي وعلى أسس غلبت فيها العلاقات والمصالح الشخصية على مصالح فرنسا العليا وعلى علاقاتها
التاريخية مع دول المنطقة، من هنا فإن القطيعة السياسية التي أعلنها الرئيس نيكولا ساركوزي مع النهج الشيراكي وأساليبه التي أضرت كثيرا بمصالح فرنسا حسب تعبير ساركوزي نفسه تطرح تساؤلات كثيرة في أذهان المراقبين حول الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء هذا التحول الجذري في السياسة الخارجية الفرنسية بعيدا عن الشعارات السياسية الرنانة التي يطلقها الفرقاء الفرنسيون في تجاذباتهم السياسية الداخلية.
ويلخص مصدر مراقب تلك الأسئلة على النحو التالي:
1- هل التحول الذي طرأ على السياسة الشرق أوسطية لفرنسا يتعلق فقط بمجيء فريق جديد إلى السلطة يحمل نظرة سياسية جديدة في المنطقة؟
2- ما هو الدور الذي لعبته الخلافات الفرنسية الأفريقية في مسارعة ساركوزي على التصديق على خريطة كوسران وكوشنير الشرق أوسطية برغم معارضة أقرب مستشاريه في الإيليزيه؟
3-  هل للنفوذ الصيني المستجد دور في التوجه الفرنسي الجديد؟
4-  أين هي الولايات المتحدة الأميركية من كل ذلك؟

مصدر دبلوماسي مطلع في العاصمة الفرنسية يعزو التحول الفرنسي الأخير في خصوص الشرق الأوسط إلى الصعوبات التي تواجهها فرنسا في أكثر من منطقة من العالم وخصوصا في بلدان افريقيا التي عرفت خلال قرون عدة بكونها منطقة نفوذ فرنسي، حيث كانت فرنسا الدولة التي قسمت القارة السمراء، وكانت المسبب الأساس في ولادة معظم الدول التي تشكل افريقيا في وقتنا الحاضر. ويضيف المصدر ان اول المتاعب التي واجهها ساركوزي في أفريقيا تمثلت في رفض الرئيس الغابوني عمر بانغو تجديد العقد الحصري المعطى لشركة "إلف" في استثمار وإنتاج حقول النفط الغنية في جمهورية الغابون حيث يقول المصدر الدبلوماسي إن أول اجتماع عقده الرئيس ساركوزي عقب دخوله قصر الإيليزيه كان مع الرئيس الغابوني عمر بانغو الذي رفض طلب ساركوزي تجديد العقد مع الشركة الفرنسية معللا ذلك بوجود شريك صيني يدفع اكثر ولا يتدخل في شؤون بلاده الداخلية، ويستطرد المصدر ان ساركوزي طلب من بانغو خلال الإجتماع  الضغط على نسيبه رئيس غينيا الإستوائية في الموضوع نفسه غير ان الاجتماع انفض على عدم اتفاق، ولم يستجب بانغو لمطالب الرئيس الفرنسي الذي كثف الضغوط على الرئيس الغابوني في هذا المجال.
غير ان مصاعب فرنسا الأفريقية لا تقتصر على الغابون وغينيا الاستوائية، يضيف المصدر الدبلوماسي الذي تحدث عن مشاكل كبيرة تواجه فرنسا في كل من ساحل العاج وأنغولا وتشاد، حيث يؤكد الدبلوماسي ان القوات الفرنسية تدخلت في الربيع الماضي ومنعت مقاتلي المعارضة التشادية القادمين من السودان من احتلال العاصمة التشادية نجامينا.
بيد ان اكبر المصاعب التي تواجهها فرنسا في افريقيا وأكثرها إقلاقا للساسة الفرنسيين تلك الآتية من الجزائر حيث يقول المصدر ان الشركات الفرنسية لم تحصل مؤخرا على أي عقد كبير ومهم في الجزائر على عكس الشركات الصينية التي حصلت على عقود كبيرة في قطاعي النفط والغاز زائد مشروع الطريق السريع الذي يربط شمال الجزائر بجنوبها، وذلك بالرغم من نصائح فرنسية وأميركية قدمت للأفارقة بعدم التعويل كثيرا على الصين لأن الصينيين لن يفعلوا شيئا لدفع الغضب الغربي عن هذه البلدان، وسوف يدعونهم لوحدهم في مواجهة الغرب عند أول مفترق.
في خضم المتاعب الأفريقية التي ورثها عن شيراك لم يكن امام ساركوزي سوى قبول الطرح الذي قدمه الدبلوماسي الفرنسي المخضرم جان كلود كوسران من أجل إعادة إحياء دور السياسة الفرنسية في الشرق الأوسط، وإعطاء الرئيس الجديد ورقة دبلوماسية دولية يدشن بها عهده الجديد أمام الفرنسيين والعالم لعلها تعوض عن الإخفاقات الأفريقية، ويضيف المصدر أن الفرنسيين يعون تماما حساسية الولايات المتحدة حول اي تدخل دولي في الشرق الأوسط لا يكون خاضعا لإمرتها، وهم سوف يسعون ما استطاعوا لعدم إغضابها، مشددا على أن الفرنسيين سوف ينسحبون أمام أول "فيتو" أميركي واضح على تحركهم الناشط شرق أوسطيا.
الانتقاد/ العدد1231 ـ 7 أيلول / سبتمبر 2007

2007-09-07