ارشيف من : 2005-2008
ماذا بعد الانسحاب البريطاني من البصرة؟ وما سر زيارة بوش المفاجئة للعراق؟
بغداد ـ عادل الجبوري
من المبكر جدا رسم صورة متكاملة الملامح والمعالم وواضحة الخطوط والألوان لمرحلة ما بعد انسحاب القوات البريطانية من محافظة البصرة (550 كم جنوبي بغداد)، الذي شُرع به عمليا مطلع الأسبوع الجاري.
وحتى الآن فإن ما هو جلي وواضح هو ان القوات البريطانية أكملت انسحابها من مجمع القصور الرئاسية في منطقة البراضعية وأربعة مواقع اخرى في داخل المحافظة، واتخذت قاعدة عسكرية واحدة ومقرا رئيسيا لها في مطار البصرة الدولي، وقامت بتسليم مجمع القصور الى القوات العراقية بمراسيم رسمية. وكخطوة استباقية أبرم مجلس محافظة البصرة مع ممثلين عن قوى سياسية ورجال دين وأعضاء في مجلس النواب العراقي يوم الأحد الماضي الثاني من شهر أيلول/ سبتمبر الجاري، على وثيقة شرف تقضي بنزع الاسلحة الثقيلة والمتوسطة من الجهات غير الحكومية في موعد أقصاه نهاية هذا الشهر. وتنطوي هذه الخطوة على دلالات ومؤشرات في غاية الاهمية تتمحور في اتباع الآليات الصحيحة والسليمة لتفعيل دور الدولة وأجهزتها المختلفة، وخصوصا الامنية والعسكرية، وتسهيل مهامها ووظائفها التي من أبرزها وأهمها في هذه المرحلة القضاء على الارهاب واجتثاثه من جذوره.
وإبرام وثيقة من هذا القبيل يمكن ان يساهم بالتقليل من حدة وحجم المخاوف والهواجس لدى بعض الاطراف، ويعزز فرص الاستقرار في ثاني اكبر محافظة العراقية بعد العاصمة بغداد، التي يبلغ تعداد سكانها حوالى مليونين ونصف مليون نسمة، وتمتاز بغلبة الطابع العشائري على تركيبتها وباحتوائها على ثروة نفطية كبيرة، فضلا عن كونها تمتلك منفذا بحريا على الخليج.
وطبيعي ان مخاوف وهواجس تأزم الاوضاع بعد انسحاب القوات البريطانية ـ الذي يمكن وصفه بالجزئي ـ لا بد من ان تتقلص وتنحسر، انطلاقا من حقيقة ان معظم الاطراف ترى ان تلك القوات كانت من بين عوامل عدم الاستقرار والاضطراب والفوضى التي شهدتها المحافظة مرات عديدة خلال الاعوام الأربعة الماضية.
وإذا كان من بين أسباب الانسحاب الجزئي للقوات البريطانية هو حقيقة المأزق الذي راحت تواجهه هناك وأخذ يتسع يوما بعد آخر، فإن لندن قد لا ترفع يدها عن البصرة نهائيا.. وما يؤكد ذلك أنها اتخذت قاعدة بديلة لها في المطار الرئيسي للمحافظة، وأن واشنطن ومعها لندن تتخوفان وتتطيران من سيطرة قوى وأحزاب شيعية قريبة من ايران على مقاليد الأمور في المحافظة، وهذا ما لا ينسجم مع طبيعة مصالحهما وحساباتهما الاستراتيجية، بل وحتى الحسابات التكتيكية الآنية.
والرئيس الاميركي جورج بوش الذي زار العراق بصورة مفاجئة الثلاثاء الماضي (4/9/2007) واختار ان يتوجه الى محافظة الانبار بدلا من العاصمة بغداد، لم يشر لا من بعيد ولا من قريب الى قضية انسحاب القوات البريطانية من البصرة. لكن خلف بعض الكواليس السياسية في بغداد يدور همس مفاده ان الرئيس الاميركي كان حريصا على المجيء الى العراق واختيار اكثر المحافظات سخونة وعدم الاستقرار الى وقت قريب ليلتقي بشيوخها ووجهائها ومسؤوليها، بل وحتى برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء مع استكمال الانسحاب البريطاني من البصرة، وكأنه أراد ان يوجه رسالة الى خصومه في واشنطن عشية تقديم تقرير كروكر ـ بترايوس حول العراق الى الكونجرس الاميركي، مفادها أننا نجحنا في انجاز أشياء كثيرة مهمة، وها أنذا موجود في المنطقة التي كانت قبل عدة شهور تمثل المعقل الرئيسي لتنظيم القاعدة.. كما أراد ان يوجه رسالة، ربما تمويهية، بأنه يدعم ويساند رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، والعبارة التي قالها للصحافيين من على متن طائرته الرئاسية المتوجهة من العراق الى أستراليا تشير الى ذلك، فقد قال: "رسالتي الى المالكي: أنت صديقي، وقد حققت تقدما خلال اجتماعات سابقة، حان الوقت الآن لإقرار هذه القوانين الضرورية للمصالحة الوطنية.. أمامك عمل شاق وأنت تعلم أننا نفهم ذلك". وكذلك فإنه ـ أي جورج بوش ـ أراد ان يوجه رسالة الى الاطراف السياسية السنية العراقية وإلى اطراف عربية ترى ان الأميركان همشوا السنّة لحساب الشيعة، وهذه الرسالة مفادها ان واشنطن تحرص على تقديم أقصى أنواع الدعم للسنة، وأن الشيعة ليسوا وحدهم من يمسك بزمام الامور ولا يمكن ان يكونوا كذلك.. ولعل التصريحات التي أدلى بها فرحان جاسم أحد شيوخ عشائر الدليم أشارت الى هذا المعنى بوضوح، حيث قال: "زيارة بوش الى محافظة الأنبار هي رسالة قوية لحكومة المالكي في بغداد، وتوبيخ للمعارضة الشيعية لتسليح أبناء العشائر لمحاربة القاعدة في العراق.. أنا مقتنع بأن أبناء العشائر نفذوا وعودهم التي قطعوها للقوات الاميركية، نحن حققنا خلال أربعة أشهر ما لم تستطع تحقيقه الولايات المتحدة خلال أربعة أعوام، وهذا هو تدمير القاعدة في محافظة الأنبار". ولكن تبقى أقوى الرسائل التي ربما أراد بوش توجيهها الى كل الاطراف تقريبا، في واشنطن وبغداد وعواصم عديدة عربية وغير عربية، هي ان الامور تغيرت في العراق، وإن انسحاب القوات الاميركية ليس سوى مسألة وقت، بطريقة قد تكون فيها أوجه شبه كبيرة من آليات وسيناريو الانسحاب البريطاني من البصرة، حيث ان أي انسحاب يجب أن يضمن الحفاظ على ماء الوجه، ولا بد من ان لا يفضي الى إفراغ الميدان ـ او العراق ـ بالكامل من الوجود الاميركي، وأن تسبقه صياغة معادلات لا تعطي لأي طرف الغلبة على طرف آخر، لا سيما اذا كان طرف او أطراف قريبة بشكل من الاشكال من طهران او دمشق.
وربما نبالغ كثيرا اذا قلنا ان زيارة جورج بوش المفاجئة الى العراق أريد منها اظهار الدعم المطلق لحكومة المالكي، كما اشار بوضوح الناطق باسمها علي الدباغ، فالصورة في كل الأحوال ليست بهذا الشكل.
الانتقاد/ العدد 1231 ـ 7 أيلول/سبتمبر 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018