ارشيف من : 2005-2008

هل تعمد "إسرائيل" إلى تصفية سياسيي حماس

هل تعمد "إسرائيل" إلى تصفية سياسيي حماس

يحيى دبوق
يرتفع منسوب الدافعية الاسرائيلية لشن عدوان واسع النطاق على قطاع غزة في المرحلة الحالية، سواء كان الدافع سياسيا لزعزعة مكانة حركة حماس لدى فلسطينيي غزة، واظهار ان خيار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس هو اجدى وانفع من خيار حماس، او سواء للرد على مواصلة تساقط صواريخ القسام على المستوطنات الاسرائيلية المتاخمة للقطاع، وتحديدا مستوطنة سديروت الجنوبية، التي يصيب سكانها الهلع بعد افتتاح العام الدراسي اخيرا، ما يحرج المؤسستين العسكرية والسياسية الاسرائيليتين وسط التغطية الاعلامية المركزة على "معاناة" سكان المستوطنة، وقوس المستوطنات عموما المحيط بالقطاع.
يعزز هذا الاتجاه، سلسلة من التصريحات المفعمة بالتهديد اطلقها عدد من المسؤولين الاسرائيليين، مع "كشف" الاعلام الاسرائيلي عن خطة تعدها المؤسسة العسكرية الاسرائيلية تهدف الى اجتياح القطاع، وتحديدا جنوبه، بغية تدمير الانفاق التي تربط القطاع بمصر، وتستخدم في تهريب السلاح.
وكان يوم الاثنين الماضي (3/9/2007)، اليوم الثاني على افتتاح العام الدراسي في اسرائيل، يوما ساده الهلع والخوف في مستوطنة سديروت، بعد ان سقط على المستوطنة وبالقرب من مدارسها سبعة صواريخ قسام اطلقت من قطاع غزة، تبعها تصريحات لمسؤولين اسرائيليين، هددت وطالبت باجتياح القطاع وتلقين الفلسطينيين درسا يمنعهم لاحقا من تكرار "فعلتهم".

لكن، وبرغم ان الدافعية الاسرائيلية، بمعنى الحافزية، مرتفعة المنسوب الى درجة الاشباع، الا ان القدرة الاسرائيلية الفعلية، بمعنى العملانية من دون تداعيات سلبية كبيرة، تدفع الاسرائيليين بشكل معاكس الى التفكير كثيرا قبل اقدامهم على اجتياح موسع لقطاع غزة، تجنبا لدفع الثمن المقدر ان يكون كبيرا جدا، وحسب بعض المراقبين العسكريين الاسرائيليين "قد يكون دخول غزة متاحا، لكن الخروج منها سيكون صعبا".
في تناول امكان اقدام اسرائيل على شن عدوان واسع النطاق على قطاع غزة، لا بد من استحضار التالي:
لن تُبعد القيادات الاسرائيلية، سواء العسكرية او السياسية، نتائج العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز 2006، عن طاولة اتخاذ القرار في حال طرح على النقاش قيام الجيش الاسرائيلي باجتياح قطاع غزة، اذ من الصعب على متخذي القرار في اسرائيل ان يعيدوا انتاج صور ومشاهد الهزيمة التي مُنوا بها في لبنان، من خلال نسخة فلسطينية متطورة او متأخرة عن النسخة اللبنانية، التي ظهرت خلال الحرب، هذا من جهة.
من جهة اخرى، لا يخفي الاسرائيليون، وهو ما يظهر من تقارير يعدها المعلقون العسكريون الاسرائيليون، ان الجيش الاسرائيلي لم ينه جهوزيته بعد لخوض حرب برية يتجنب فيها الخسائر البشرية والمادية، وفي حالة غزة ستكون خسائر كبيرة جدا كما يقدرها الاسرائيليون. ويظهر من هذه التقارير التي تغطي التدريبات المتواصلة التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي ان الاخير يجد صعوبة فعلية وكبيرة في تجنب ما اوقعه فيه حزب الله في لبنان خلال الحرب، سواء لجهة التصدي وعدم الفرار امام الوحدات العسكرية الاسرائيلية،  وسواء لجهة امكان ان يُفعّل الفلسطينيون صواريخ ضد الدروع يملكونها. فالمؤسسة العسكرية الاسرائيلية ما زالت تعمل على استكمال جهوزيتها التي تتطلب وقتا وجهدا مكثفا، كما يقر المراسلون العسكريون الاسرائيليون، ويسجلون نجاحات جزئية تتعلق بذلك، بعد أن صدئ الجنود الاسرائيليين نتيجة انقطاعهم عن التدريب الملائم والمناسب لاجتياحات برية لمدن مكتظة بالسكان، وهو ما اكده اخر تقرير عسكري اسرائيلي نشر بداية الاسبوع الحالي.
من ناحية ثالثة، يتعذر على الاسرائيليين، في هذه المرحلة، بمعنى الصعوبة وليس الاستحالة، الاستحصال على "اذن" اميركي بضرب القطاع واجتياحه بشكل موسع، مع تقدير سقوط عدد كبير جدا من المدنيين الفلسطينيين، وصولا الى مجازر مصورة تبث عربيا ودوليا، ما سيؤدي الى احراج بعض الانظمة العربية امام شعوبها، وتمنع او تصعّب عليها المشاركة في المؤتمر العتيد الذي سينظر في "النزاع" الفلسطيني الاسرائيلي، والمقدر ان ينعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وهو مؤتمر تعمل واشنطن على تمثيل دول عربية "معتدلة" فيه، على ان يكون تمثيلها على مستوى رفيع، يروّج اسرائيليا انه سيكون على مستوى وزراء خارجية. والحديث هنا يشمل دولا خليجية، من بينها المملكة العربية السعودية.
في ضوء ذلك، اضافة الى محاذير اخرى، قد يتجه الجهد الاسرائيلي الى تكثيف العمليات الامنية والعسكرية التي تهدف الى تصفية عدد من كوادر الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، مع التركيز على حركة حماس تحديدا، وصولا الى ملامسة المستوى السياسي في الحركة بشكل متدحرج، للنيل من مسؤوليها المباشرين، وخاصة ان هذه التصفيات قد تحظى بـ"رضا" من قبل بعض الاوساط الفلسطينية او حتى العربية، تأديبا لحركة حماس على "تمردها" الاخير في قطاع غزة.
اذاً المرحلة المقبلة، هي مرحلة انتظار فعل اسرائيلي عسكري، لن ينتج عنه اجتياح بري واسع النطاق لقطاع غزة لتعذره، لكنه سيشهد، على اغلب التقدير، عمليات امنية كبيرة من حيث استهدافاتها، وخاصة ان الدافعية الاسرائيلية "لتأديب" الفلسطينيين في القطاع مرتفعة، يحول دون ترجمتها اجتياحاً قدرة عملياتية محدودة على شن عدوان من دون خسائر، وبالاخص ان الجيش الاسرائيلي لم يتجاوز بعد عقدة الحرب التي خاضها اخيرا على لبنان، ولم يعالج نقاط الخلل التي تخللتها.
الانتقاد/ العدد1231 ـ 7 ايلول/سبتمبر2007

2007-09-07