ارشيف من : 2005-2008

المؤتمر الدولي : بين الخطوط الحمراء "الإسرائيلية".. ومطالب الحد الأدنى الفلسطينية

المؤتمر الدولي : بين الخطوط الحمراء "الإسرائيلية".. ومطالب الحد الأدنى الفلسطينية

منذ أن أعلن وزير الخارجية الأميركية الأسبق "وليم روجرز" خطته المرتكزة على مبدأ الأرض مقابل السلام عام 1969، وجد بعض الفلسطينيين وبعض العرب أنفسهم في مواجهة وهم خطير: أن الولايات المتحدة تعمل على تقديم سلام دائم وعادل للمنطقة، ومنذ هذا التاريخ والوهم يزداد رسوخا، والرهان يكبر.
إن التاريخ الدبلوماسي للصراع العربي ـ الصهيوني بات يشهد أن الإدارات الأميركية المتعاقبة ناهضت أية تسوية تقضي بإنهاء الاحتلال الصهيوني، أو إنشاء دولة فلسطينية إلى جانب الكيان الصهيوني، بل كان عزم الأميركيين و"الإسرائيليين" وتصميمهم معا على الاستباحة الكاملة للوجود الوطني الفلسطيني، ولحقهم في السيادة على أية بقعة أرض من فلسطين.
وتقاطعت مصلحة الطرفين الى حد التحمت فيه الخطط الإستراتيجية الأميركية بالطموحات "الإسرائيلية" التوسعية. وبرغم ذلك لم يدرك حتى الآن بعض العرب والسلطة الفلسطينية الحدود والفوارق بين السلام الشامل الذي يتوهمون بالحصول عليه، وبين الأمن الشامل الذي يحتاج له الكيان الصهيوني وتعمل له الولايات المتحدة الأميركية. وما الكلمات التي لمعت في المعجم للصراع في المنطقة من مثل مدريد، وواشنطن وأوسلو، وطابا، وكامب ديفيد، وشرم الشيخ، الا دليل على عجز هذا النوع من المؤتمرات واللقاءات عن تلبية الحد الأدنى من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، أو الاعتراف بها.
ما دفعنا للتذكير بحقيقة السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العربية بشكل عام، اضافة الى الأهداف الحقيقية للجهود الدبلوماسية التي تنشط بها، هو الترحيب غير العادي للدعوة التي أطلقها بوش حول المؤتمر الدولي المزمع عقده في الخريف المقبل، علما أن فكرة المؤتمر أتت من القيادة الصهيونية خلال مشاوراتها مع الإدارة الأميركية، وتوقيت الدعوة مصلحة أميركية ـ صهيونية، أضف الى ذلك أنها ملجومة بالخطوط الحمراء "الاسرائيلية". وليس أدل على ذلك من المساعدة التي سيقدمها بوش في المؤتمر، والذي أعلن عنها في سياق دعوته للمؤتمر الدولي، أنه سيساعد في العثور على "أفق سياسي"، وهذا التعبير الذي استخدمته ميري ايسين الناطقة باسم رئيس الحكومة الصهيونية: "مستعدون لإجراء محادثات في شأن قضايا "الافق السياسي".
وأما ما سيقدمه الكيان الصهيوني فقد حدده قادة الكيان بجلاء من خلال العديد من المواقف التي يصرحون بها بين الحين والآخر، والمترافقة مع لقاءات أولمرت ـ عباس، حيث قيدت الخطوط الحمراء "الاسرائيلية" القضايا المحورية الثلاثة: الحدود، اللاجئين، والقدس.
وفي هذا الصدد، كشف رئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز في حديثه مع صحيفة "ذي غارديان" عن قيام الفلسطينيين و"الإسرائيليين" بالتفاوض حول "إعلان مبادئ" يتم التوصل إليه قبل انعقاد المؤتمر الدولي المقترح انعقاده الشهر المقبل برعاية أميركية. وأشار إلى أن هذا الإعلان سيركز على إطار سياسي حول الدولة الفلسطينية المقبلة، ولكنه قال: "إن هذا لن يتضمن أي أمور تتعلق بالجغرافيا، أي الحدود".
وفي نفس السياق وبوضوح أكثر، قالت الصحيفة الصهيونية "هآرتس": "إن أولمرت مهتم بأن يكون "اتفاق المبادئ" الذي يسعى للتوصل إليه مع محمود عباس مؤلفا من صفحة واحدة تمنح "المعتدلين" الفلسطينيين "أفقا سياسيا"، من دون الخوض في تفاصيل القضايا العالقة بين "إسرائيل" والفلسطينيين بادعاء أن أولمرت يتحسب من أن يؤدي الدخول في التفاصيل إلى أزمة سياسية داخل "إسرائيل" تتسبب بانفجار العملية السياسية". يعني ذلك أن تجاوز "إعلان المبادئ" خط أحمر "إسرائيلي".
وعن قضية اللاجئين، قالت وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسيبي ليفني، في لقاء مع قادة اليهود في الولايات المتحدة: "عدم إدخال لاجئين إلى "إسرائيل"، هو مبدأ أساسي يحظر علينا أن نساوم عليه". وفي السياق نفسه، قال الرئيس الصهيوني شيمون بيريز في حوار مع الصحافي الفرنسي أندريه فرساي عن حق العودة: "لن نسمح مطلقا للاجئين الفلسطينيين بالعودة في أفواج كبيرة إلى "إسرائيل" بغض النظر عما يثيره الآخرون بهذا الشأن، إن ذلك سيدمر الشخصية القومية لـ"إسرائيل". وفي ذات الحوار قال شيمون بيريز عن مستقبل القدس: "إن مدينة القدس يجب أن تكون مدينة مفتوحة ومنزوعة السلاح، موحدة سياسيا وإنما منقسمة دينيا، وليتولَّ كل دين من الأديان مسؤولية الأماكن المقدسة الخاصة به". وهنا يعلن بيريز بوضوح أن القدس موحدة وعاصمة للكيان الصهيوني، وهذا ما ردده القادة الصهاينة على مدى عقود من الزمن (في هذا السياق وللتذكير أن الكونغرس الأميركي تبنى قرارا في تشرين الأول/ أكتوبر 1995، بأكثرية 93 صوتا مقابل 3، وطالب فيه بضرورة أن تبقى القدس موحدة عاصمة للكيان الصهيوني).
ما نشهده من خطوط حمراء "اسرائيلية" نافرة، وولادة "اعلان مبادئ" جديد، وبحلة جديدة، ليس ضمن الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية التي يبدو انه لن يكون لها أي صدى داخل أروقة المؤتمر الدولي المقبل. وسيواجه الطرف الفلسطيني المفاوض ومن معه من العرب جملة املاءات أميركية، تتمثل بالطلب من الفلسطينيين تقديم حسن النوايا، والجدية المطلوبة للسلام، من خلال تفكيك البنية التحتية للمقاومة، وتقديم الخدمات اللازمة لقوات الاحتلال الصهيوني وأجهزته الأمنية، ومن العرب الانخراط في المحور الجديد جنبا الى جنب مع الكيان الصهيوني، للدفاع عن المنطقة من مخاطر وهمية صنعوها لهم، ولفتح باب التطبيع مع العدو على مصراعيه...
محمد دبورة
الانتقاد/ العدد1231 ـ 7 ايلول/سبتمبر2007

2007-09-07