ارشيف من : 2005-2008

صباح العودة إلى المدرسة... بلا "ماما"

صباح العودة إلى المدرسة... بلا "ماما"

رام الله ـ ميرفت صادق
في الزيارة الوحيدة التي سمحت بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي للأسيرة ندى الجيوسي في سجن تلموند العسكري، أوصت ندى شقيقتها، "أطلبي من أبنائي وزوجي أن يدعوا لي، وأن لا يقلقوا لأن الله معنا... وأن يشتروا أغراض المدرسة كاملة دون انتظاري.. لأنني ربما أتأخر قليلا..."!.
وبعد ايام قليلة، جاء الأول من أيلول/ سبتمبر، صباح العودة إلى المدرسة في منزل الأسيرة ندى الجيوسي برام الله... ولكن "بلا ماما".
"كانت أمي توقظنا، وتعد لنا الافطار.. وتحضر لنا اغراضنا، وتودعنا عند الباب" تقول تسنيم الابنة الكبرى، وتضيف: "صباح اليوم الأول من المدرسة كان حزينا علينا جميعا... وافتقدناها كثيرا، وراح أشقائي الصغار يبكون ويستمرون في السؤال "متى تعود ماما؟".
اعتقلت الأسيرة ندى الجيوسي (42 عاما) من منزلها في ضاحية عين مصباح بمدينة رام الله فجر التاسع من تموز/ يوليو الماضي، ومنذ ذلك الحين تم تحويلها الى مركز تحقيق المسكوبية، صاحب السمعة السيئة في تاريخ التعذيب الاسرائيلي.
ووضعت الجيوسي لمدة 39 يوما تحت التحقيق المتواصل بدون السماح لها بالنوم لفترات طويلة في زنزانة انفرادية، وجهت لها خلالها تهمة "ترؤس جمعية الهدى النسائية الخيرية واستمرار العمل فيها بعد قرار اسرائيلي بإغلاقها".
وكما قالت في رسالة نقلتها محاميتها: "تعامل معي المحققون بأقذر الأساليب"، قبل أن تنقل الى سجن تلموند العسكري حيث تحتجز نحو 105 أسيرات فلسطينيات حسب آخر إحصائية رسمية.
وخضعت الأسيرة ندى الجيوسي خلال فترة التحقيق معها لسلسلة من الضغوط النفسية كان أبرزها ايهامها بأن الجيش الاسرائيلي قام باعتقال ابنتها الكبرى وزوجها، وقد ظنت ذلك فعلا لفترة طويلة، حتى سمح لها برؤية ابنتها "تسنيم" من بعيد في قاعة احدى المحاكمات، وادركت ان كل ذلك كان كذبا لإجبارها على الاعتراف بما لفق لها.
وفي إحدى الأيام التي تلت اعتقالها، وبالتزامن مع جلسة محاكمة كان من المقرر فيها ان تقدم النيابة العسكرية سببا لاستمرار اعتقال الجيوسي، قام جنود الاحتلال باقتحام منزلها وارهاب اطفالها وتصويرهم بينما الأسلحة مصوبة نحوهم، ومصادرة أجهزة الحاسوب الخاصة بها وبزوجها وبأطفالها، بينما صادروا كل الأوراق المتعلقة بها، دون أن يجدوا دليلا واحدا على ادانتها، الا انهم اصروا على تمديد اعتقالها دون مبرر، بالرغم من أنها أم لتسعة أطفال (خمسة أبناء وأربع بنات) أكبرهم "تسنيم" (17 عاما) التي بدأت اول صفوف الثانوية العامة هذا العام، وأصغرهم "صالح" (3 سنوات ونصف) الذي توجه للروضة للمرة الأولى في غياب والدته، وبينهما وجوه طفولة سبعة تعددت فيهم الصفوف والأشواق لوالدتهم الغائبة.
مهمات كبيرة...
مع اقتراب موعد افتتاح العام الدراسي، كان لزاما على العائلة البدء في التجهيزات من ملابس وقرطاسية وأحذية وغيرها.. وتقرر أن تتحمل الابنتان "تسنيم (17 عاما)، وشيماء (15 عاما)" مسؤولية تجهيز أشقائهما.
تقول شيماء: "على مدار اسبوع رحت أنا وأختي نذهب الى السوق يوميا تقريبا، بمساعدة والدنا في بعض الأحيان، وبمفردنا في أحيان كثيرة، كي نشتري لأخوتي ملابس المدرسة والحقائب والقرطاسية التي يحتاجونها".
"وبسبب غياب الوالدة، وصعوبة التجربة: "اضطررنا لإعادة الملابس وتبديلها عدة مرات بسبب عدم ملاءمتها لمقاسات أخوتي، حيث كانت أمي تشتري لنا كل على حدة، وكانت تصطحبنا معها الى السوق لقياس ما تشتريه فلا نجد اية صعوبة" تضيف شيماء.
وتردف الابنة الكبرى تسنيم: "تعودنا في ايام المدرسة ان نصحو ونجد "ماما" قد حضرت لنا الطعام والملابس، لكن اليوم يحاول والدي القيام بهذه المهمة برغم الصعوبة التي يواجهها حيث انه يتابع عمله ودراسته أيضا، لذلك حضرت عمتي لمساعدتنا في اليوم الأول من المدرسة".
وعلى الرغم من تأثير غياب الأم على اوضاع الأطفال التسعة ووالدهم، إلا أن حالة من المسؤولية الشاملة تعم الصغار والكبار معا، إذ قرر الأطفال مع والدهم تقسيم مهمات متابعة شؤون البيت والصغار فيما بينهم. وحسب تسنيم، فقد تقرر تخفيف الاعباء عنها، بسبب انشغالها في متابعة دراستها في الثانوية العامة. على ان تقوم الأخت الثانية "شيماء" بمهمة مساعدة أخوتها في ارتداء ملابسهم وتجهيزها لهم يوميا، ثم يقوم الابن الأكبر "عبيدة" (16 عاما)، بمهمة توصيل قسم من اخوته الى مدرستهم، على ان يقوم والده بتوصيل بقية الأطفال الى مدارسهم وروضاتهم.
يقول زوج الأسيرة "المهندس ماجد الحسن": إن اعتقالها تسبب في حالة من التشتت لعائلته التي التأم شملها منذ فترة قصيرة بعد الافراج عنه من سجون الاحتلال حيث أمضى نحو 3 سنوات ونصف بعيدا عنهم. ويضيف الحسن أنه اضطر في بداية اعتقال زوجته، الى نقل طفليه الأصغرين شهد (4 سنوات ونصف)، وصالح (3 سنوات ونصف)، للسكن في بيت جدهم في قرية مجاورة كي يتسنى لشقيقته "عمتهم" متابعة أمورهم، ويتمكن هو من متابعة شؤون من هم أكبر من الأولاد. إلا انه استعاد شهد وصالح مرة أخرى بسبب بدء التحاقهم بالروضة الخاصة بهم.
تعودنا عليها في كل مكان..
وبرغم جرأة تسنيم وقوة كلماتها، إلا ان صوتا متقطعا كان يضيق بصدرها كل حين.. فتقول: "تعودنا على أمي في كل مكان، كانت تساعدنا في الدراسة، وفي كل شيء، ولا أحد يحل مكانها..". إلا انها تستدرك الحديث: "رسالة امي لنا بضرورة الجد والاجتهاد والايمان بأن اعتقالها جهاد في سبيل الله، ولد فينا عزيمة قوية، وقررت أن أضاعف جهدي الدراسي لأثبت لأمي انني بفضل دعائها استطعت ان اتفوق برغم كل هذه المعاناة". وتنهي تسنيم: يظل صالح الصغير برغم كلماته القليلة واختي شهد يكرران السؤال "وينها ماما، متى رح تيجي؟"، ونظل نجيب: "ستعود قريبا إن شاء الله". مضيفة: "نشعر بهذا ونحلم به دائما.. بأنها ستعود قريبا".
الانتقاد/ العدد 1231 ـ 7 أيلول/سبتمبر 2007

2007-09-07