ارشيف من : 2005-2008

العمارة الإسلامية فترة الحكم العثماني

العمارة الإسلامية فترة الحكم العثماني

بعد زوال حكم السلاجقة الأتراك في آسيا الصغرى في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي إثر هجوم المغول على بلادهم، حلّ محلهم عدد من الحكام الأتراك المحليين، وقد تمكن أحد هؤلاء الحكام وهو عثمان بن طغرل (الذي ترجع تسمية العثمانيين إلى اسمه)، من الاستيلاء على مقاليد الحكم في تركيا بعد وفاة والده. ويمكن تقسيم طراز العمائر في العصر العثماني إلى قسمين: الأول قبل فتح القسطنطينية ويظهر به الأسلوب السلجوقي، والقسم الثاني بعد الفتح ويظهر به التأثيرات البيزنطية.
حلقة اتصال بين طرازين
يعتبر جامع "يزيل جامعي" الذي يمتاز بقبة سائدة وأمامها ردهة مسقوفة مغطاة بقباب أصغر حجماً، أحد نماذج العمائر الدينية التي تعتبر حلقة اتصال بين الطراز السلجوقي القديم والطراز العثماني الجديد، الذي ظهر بعد فتح القسطنطينية.
أما بعد فتح القسطنطينية فقد أخذت العمارة العثمانية شكلاً جديداً متأثراً بكنيسة "أيا صوفيا" (التي تحولت من كنيسة إلى مسجد) أي بالعمارة البيزنطية، فأنشئ مسجد محمد الفاتح من رواق رئيسي على تخطيط متعامد فوقه قبة كبيرة حولها قباب أصغر منها.
المهندس سنان
على أن العصر الذهبي للعمارة التركية قام على أكتاف المهندس "سنان"، وهو من أصل غير تركي، ذاع صيته في المدن التركية وأشرف على بناء أهم العمائر في اسطنبول، ومن أهمها جامع "سليمانية" (1550 ـ 1557م)، وفيه تم التخلص من الأكتاف التي تحمل القبة وتقسم الأرضية الواقعة بأسفلها ما يتعارض مع فكرة إيجاد فراغ متسع بقاعة الصلاة، حيث تم الاكتفاء بقبة رئيسية يحف بها نصفا قبة أصغر حجماً، ويخرج من كل منهما نصف قبة أخرى.
وقد انتشر طراز العمارة العثمانية في أنحاء الأمبراطورية الاسلامية فكان أول نموذج للطراز العثماني في مصر هو مسجد "سليمان باشا" بالقلعة (1528م) ومسجد "سنان باشا" (1610م) ببولاق، ومسجد "الملكة صفية" بمنطقة الدرب الأحمر، وجامع "محمد علي" الذي شيد في القلعة على غرار جامع السلطان أحمد بالآستانة.
ومن المنشآت التي حظيت بالعناية والتطوير في العصر العثماني الحمامات العامة، وكذلك الدور والقصور، وما زالت المدن السورية تحتفظ بالعديد من هذه القصور والدور التي يطلق عليها "البيوت الشامية" لما تحويه من تقاليد عريقة.
من أهم التطورات التي طرأت على المظهر العمراني الدمشقي خلال الفترة العثمانية، توسيع الأسواق وبناء الخانات والمساجد مثل جامع مراد باشا وجامع درويش باشا.
التطور العمراني لدمشق
جاءت الباحثة الألمانية دورويته زاك إلى دمشق عام 1975 لتعد رسالتها للدكتوراه عن التطور العمراني لدمشق، التي صدرت بالألمانية لاحقاً في العام 1989، ومع أنها رسالة علمية تمت بإشراف مختصين واعتمدت على عمل ميداني مضن إلا أنها لم تنشر بالعربية في دمشق المعنية بها سوى في نهاية العام 2005 بعنوان "دمشق: تطور وبنيان مدينة مشرقية إسلامية".
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الكتب المنشورة في العربية كانت تعاني من "الأدلجة" بينما كانت بعض الكتب الأخرى تعاني من "البسترة" التي تعتمد على العناوين الجذابة للتسويق.
تلاحظ المؤلفة أن تهميشاً عمرانياً تعرضت له دمشق خلال الحكمين العباسي والفاطمي، حتى أن المؤلفة تعترف أنها لم تجد أي أثر بناه العباسيون أو الفاطميون خلال ثلاثة قرون في دمشق. وبعكس ذلك فقد عرفت دمشق نهوضاً عمرانياً جديداً خلال الحكم الزنكي ثم الأيوبي والمملوكي.
لكن يلاحظ أن الكتاب يركز على الفترة العثمانية التي استمرت أربعة قرون، وقد أرفقت الكلام بالكثير من الصور والخرائط، التي تدل على تطور عمراني واضح، ساعده استقرار عام دام من العام 1516 إلى العام 1831م.
الآثار العثمانية في المجر
تزخر أراضي المجر بالعديد من الآثار العثمانية الإسلامية، إذ خضع جزء من هذا البلد للحكم العثماني قرابة القرن ونصف القرن.
في المجر بنى العثمانيون كثيراً من الجوامع، حتى أنه وفي كل مدينة كان هناك جامع رئيسي (ويسمى جامع الخاصة أو يدعى باسم السلطان الذي بني في عهده أو ببساطة يحمل اسم الجامع الكبير).
من أهم الجوامع العثمانية الشاخصة إلى الآن، الجامع الكبير (جامع قاسم غازي باشا) في مدينة بيتش، ومخططه مربع الأبعاد، تعلوه قبة يبلغ ارتفاعها 28 متراً وقطرها 18 متراً. وكان للجامع مئذنة هدمها المجريون بعد استردادهم المدينة. أما مدينة "أكر" فتزدان بالكثير من الآثار العثمانية، أهمها المئذنة التي ظلت من جامع كتخدا الذي هدم في العام 1841، ويبلغ ارتفاعه 40 متراً، وهي في حالة جيدة.
لكن أشهر ما بقي من الآثار العثمانية الحمامات، ونعرف أن والي بودا مصطفى سقلّو أمر ببناء أو تجديد 16 حماماً. يذكر أن المتحف الوطني المجري يحتفظ بكثير من نفائس الآثار التركية، من بينها أسلحة وملابس وخزف وحلي وقطع نقدية ومصاحف.
برغم البصمة العثمانية في العنوان العمراني، إلا أنه وبصفة عامة يعتبر البعض الفترة العثمانية فترة تراجع وتخلف في العمارة الإسلامية، لأنها فرضت النظام البيزنطي في تخطيط العمارة الدينية، كما فرضت زخارف استمدت عناصرها وأسلوبها من طراز "الروكو" الذي ساد أوروبا في نهاية عصر النهضة.
عبد الحليم حمود
الانتقاد/ العدد1231 ـ 7 ايلول/سبتمبر2007

2007-09-07