ارشيف من : 2005-2008
الجودرية لمحمد جبريل : التاريخ إن حكى..
عبد المجيد زراقط
نقرأ في "الجودرية" للروائي المصري الكبير محمد جبريل حكاية الاحتلال الفرنسي لمصر، منذ بدايته عام 1798 حتى الاحتفال بنهايته في 3/9/1801.
يتضمن الغلاف فضلاً عن العنوان "الجودرية" إشارتين: أولاهما عبارة "عن تاريخ الجبرتي بتصرّف"، وثانيتهما "سلسلة الأدب" رواية، ما يثير في ذهن القارئ سؤالاً مفاده: ما نوع الكتابة التي تقدّمها "الجودرية"؟
هل هي تاريخ كما تفيد الإشارة الأولى، أم هي أدب روائي كما تفيد الإشارة الثانية، أم هي أدب روائي تاريخي، كما يمكن أن يُفهم من اقتران الإشارتين؟
تفيد قراءة "الجودرية" أنها رواية تاريخية، فالقارئ يلاحظ بيسر أن ما يقرأه ليس تاريخاً فحسب، إنما هو أدب روائي تاريخي.
يلاحظ القارئ أن الرّاوي في ما يقرأه لا يؤرخ الوقائع، وإنما يتخذ منها مادة أوّلية روائية، ويختار منها ويشكل مما يختاره بناءً روائياً ينطق برؤيته إلى العالم.. إنه يختار من منظوره مادة روائية، ويشكل منها ومن منظوره أيضاً بناءً روائياً متخيلاً، يمثل عالماً روائياً يكوّنه من وقائع مواد أولية يأخذها من المرجع التاريخي. وهو إذ يفعل ذلك فمن أجل أن يتيح للتاريخ فرصة القول، أو من أجل أن يدع التاريخ يحكي حكايته الكاشفة واقعه والواقع الحياتي المعيشي.
فماذا يحكي التاريخ في هذه الرواية؟ وهو تاريخ ليس ببعيد، ويتخذ من مكان اقامة إحدى الشخصيات "الجودرية" عنواناً لحكيه وفضاءً لقوله؟
نلتقي في بداية الرواية بمراد بك والي مصر العثماني، كان عليه أن يستعد لمواجهة الغزاة الفرنسيين، لكنه بدلاً من ذلك راح يستهزئ بهم، ويرى أنهم "فستق خُلق للأكل لا للحرب"، ويعتزّ بسلاحه، فإذا هو "أعداد من أجمل المسدسات الدمشقية والغدارات والأحجار الكريمة والتحف والملابس الموشاة.."، يبقى متباهياً بما يملكه إلى أن ينزل الفرنسيون إلى البر، فيطلب من مستشاره أن يأمرهم بالخروج، وإذ يخبره هذا أنهم أتوا لا ليخرجوا يقول له: أرسل اليهم خمسين ألف فرنك ليرحلوا.. فيقول المستشار: "أخشى أن عليكم الاستعداد للدفاع".
لم يصغِ الوالي لهذا الكلام ولم يرسل النجدة الى الاسكندرية، ولم يبق من حل سوى أن يدافع أهلها عنها.. والسؤال الذي يطرح هنا هو: ألا تمثل هذه الصورة أنموذجاً لا يزال موجوداً في بلادنا منذ أن بدأ الغزو الاستعماري الحديث عام 1798 حتى اليوم؟
تتمثل الصورة أمامنا ملموسة، وتدل على صراع لا يزال مستمراً، تتغير أسماء الغزاة والجوهر واحد.. على أن الحاكم العاجز قصير النظر، مقتني السلاح والمال للاعتزاز وغير قادر على المقاومة، وأن أهل البلاد هم المقاومون.
في الدلالة على جوهر الصراع يقول الراوي: إن بونابرت قدم بتصور مفاده أن مصر ليست ملكاً للعثمانيين وليست ملكاً لأحد، فإذا لم تحتلها فرنسا فإن إنجلترا لن تفلت الفرصة. لذا فهو يريد أن تتحول مصر الى مستعمرة حقيقية لفرنسا، تطلق ثرواتها الأخيلة بلا حد.
هذا ما يريده المستعمر، لكنه يغلّف سعيه الى تحقيق أهدافه الحقيقية بغلف زاهية مضللة.. يقول بونابرت في منشوره الموجّه للمصريين ويقول لمرافقه: أعرف أن هذا المنشور قطعة من الدجل، لكنه دجل مقنع.. ثم يضيف: على المرء أن يصطنع الدجل ـ أحياناً ـ ليحقق ما يستعصي عليه من الأمنيات.
تلك غلف التاريخ غير البعيد، وأمام أعيننا اليوم غلف مثل الديمقراطية والحرية.. وإن تأملنا الصورة جيدا يتبين لنا أن ثنائية مراد بك ـ نابليون بونابرت لا تزال قائمة، كأن قدراً يحكم مسار التاريخ العربي الحديث يتمثل في هذه الثنائية، أي ثنائية الطاغية العاجز والمحتل المستعمر، وكأن أي مقاومة لهذا القدر تتكالب القوى المنضوية في ركبي طرفيها عليها من كل ناحية.
نلتقي في الرواية بالشيخ خليل البكري، الذي "وثق مصيره بالفرنسيين، فارتدى الفروة وتقلّد نقابة الأشراف واقتنى الضياع".. وامتلك الأشياء الجميلة وكل ما يدخل المتعة الى النفس. يقول القائد العام عنه وعن أمثاله: نضمهم الى الديوان فيقودون الناس الى ما نريده.
تعوّق المقاومة تقدم قوّات الاحتلال وتحول دون إحكام سيطرتها على البلاد، فيظهر وجه المستعمر الحقيقي، هذا المستعمر الذي أعلن أنه مسالم وقدم لرفع ظلم المماليك ونشر الحضارة والمدنية، يقتل ويدمّر وينهب! ومن الأمثلة على ما قام به: "أعملوا السيف في كل من له وجه إنسان.. ظلوا يقتلون ويذبحون يوماً كاملاً.. بلغ عدد من ماتوا ضحى اليوم التالي أكثر من ألفي طفل وامرأة ورجل، إضافة الى هتك الأعراض والسلب والنهب والإحراق والتدمير.. سبقت عودة القائد العام أنباء قتل الأسرى" (ص 168 و169).. وإذ لم يكف هذا أمر القائد العام معاونه: "عليك أن تقطع كل يوم خمسة أو ستة رؤوس في شوارع القاهرة..".
هذه هي حقيقة المستعمر تبدو جلية الآن في لبنان وفلسطين والعراق كما بدت آنذاك، تقابلها حقيقة أخرى مفادها أنه راحل في نهاية المطاف بفعل ضربات المقاومة، ومنها قتل "كليبر" القائد العام الفرنسي بعد بونابرت.. واللافت، كأن التاريخ يحكي ما يحدث اليوم، أن بعض من أرّخ لتلك الحادثة وصف سليمان الحلبي قاتل "كليبر" بقوله: "رجل أفاقي أهوج". (المختار من تاريخ الجبرتي مكتبة الأسرة، 1998 ص 14).
ومن المشاهد الدالة على أن التاريخ يحكي ما يحدث اليوم، مشهد العملاء الذين تركهم المحتل لمصيرهم، ومنهم الشيخ البكري وابنته. جاء في تاريخ الجبرتي في أحداث الثلاثاء 14/8/1801: "طلبت ابنة الشيخ البكري وكانت ممن تبرّج للفرنسيين... فحضروا الى دار أمها بالجودرية وأحضروها ووالدها فسألوها عما تفعله فقالت: إني تبت من ذلك. فقالوا لوالدها: ما تقول أنت؟ قال: "بريء منها.. فكسروا رقبتها" (نفسه، ص188).
يقول محمد جبريل مؤلف الرواية، إنه تذكّر هذا المشهد عندما رأى مصير عملاء لحد بعد تحرير لبنان الجنوبي في 25/5/2000، وانطلق في كتابة هذه الرواية، ليؤرخ أدبياً لأول حملة استعمارية في العصر الحديث على بلادنا، ويكشف حقائق مسار تاريخي ما زال يتواصل، وليرى أن علينا قراءته جيداً لنجيد صناعة ما سوف يستجدونه منه، وإن لم نفعل بقيت بلادنا كما قال بونابرت في مطلع الغزو الاستعماري، بلاداً ليست لأحد، ولكلّ أحدٍ قادر أن يمتلكها، كأننا لسنا أحداً في هذا العالم!
الانتقاد/ العدد 1231 ـ 7 أيلول/سبتمبر 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018