ارشيف من : 2005-2008

... فليخرسوا

... فليخرسوا

فيه، أن هذا السؤال، إما أن يكون مغلوطاً من أساسه، أو أن الإجابة عنه، ليست متعذرة، بل مستحيلة.‏

عمر لبنان الكيان، ما يقارب التسعين عاماً، ولا جواب على السؤال بعد تسعين عاماً، وعمر لبنان الاستقلال، خمسة وستون عاماً، وما ظنه اللبنانيون جواباً، جاء لغزاً دامياً.‏

قيل، في الاجابة عن السؤال، ما يلي:‏

لبنان، أنشئ من أجل المسيحيين، ثم،‏

لبنان أنشأه المسيحيون من أجلهم ومن أجل غيرهم، ثم‏

لبنان بلد الأقليات الخائفة (خائفة ممن)، ثم‏

لبنان فينيقي، وعليه فإنه ليس عربياً، ثم‏

لبنان لا فينيقي ولا عربي، بل متوسطي، ثم‏

لبنان بلد مستقل ذو وجه عربي، ثم لبنان، جسر عبور ومحطة لقاء الحضارات، ثم‏

لبنان، نهائي وعربي الانتماء والهوية، ثم‏

لبنان بلد محايد في الصراعات، لا شرق ولا غرب، ثم‏

لبنان، شريك أميركا في العام 1956، وشريك استراتيجي في العام 2007 ثم‏

لبنان، سوري، على قاعدة شعب واحد في دولتين، ثم‏

لبنان، عروبي مقابل لبنان انعزالي، ثم‏

لبنان في منزلة بين المنزلتين، ثم‏

لبنان، مقاومة مقابل "بدنا نعيش" ثم، وما زال‏

لبنان يبحث عما يريده اللبنانيون، فهل:‏

لبنان، بلد الديمقراطية التوافقية، لفترة ثم،‏

لبنان بلد الأكثرية والأقلية الديموقراطية؟ ثم‏

لبنان، بلد يحتاج الى وصاية، ثم لبنان الطوائفيات المتفقة على "الغش المشترك" وليس العيش المشترك؟‏

"خلصنا بقا"‏

ما هذا البلد الذي لا يعرف ابناؤه، كيف يريدونه، ويحاول كل فريق أن يأخذه اليه.‏

إذا خُيّرت في الاجابة عن السؤال: أي لبنان نريد، أجيب: السؤال غلط.‏

فلنبدأ بالسؤال الآخر، لبنان الى أين؟‏

الأجوبة أيضاً كثيرة.‏

قال فريق لا ندعه يذهب الى مكان، نبقيه وحده، جزيرة وسط تجاذبات وواجبات.‏

فريق آخر، أخذه الى الأم الحنون، ولم يتخل عن أمه إلا بعدما تخلى فريق آخر عن "وطنه الأم" ونصب خيمته في لبنان، فتشارك الفريقان في صياغة ميثاق وطني مثقوب النوايا.‏

فريق أخذه الى ايزنهاور ومشروع الشراكة، قابله، فريق آخر، من طائفة أخرى، أخذه الى عروبة عبد الناصر، فسقط لبنان في امتحان الدم.‏

فريق أخذه الى المقاومة الفلسطينية، وبات يعتبر منظمة التحرير جيش المسلمين مقابل فريق أخذه الى اسرائيل، وسقط لبنان في امتحان الدم خمسة عشر عاماً.‏

فريق أخذه الى سوريا، وآخرون الى السعودية، وآخر الى فرنسا، وآخر الى ليبيا، وآخر الى العراق، وآخر الى موسكو، وآخر الى كل الأمكنة، بحيث أصبح برج بابل الأوطان في اللاوطن اللبناني.‏

فريق أخذه الى مقاومة، بعد احتلال اسرائيلي، وفريق اصطفى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وجلس ينتظر إزالة الاحتلال بالحبر الدولي، وجد القرار 425، الى أن .. خرجت سوريا، وأجبرت اسرائيل على الانسحاب، ولم يبق في لبنان الا القوات الدولية، التي تمارس مهماتها على رواق نسبي،‏

واللبنانيون.‏

واستعاد اللبنانيون، في يقظة العودة الى ذواتهم، أنهم بحاجة الى الجواب عن السؤالين: أي لبنان نريد؟ ولبنان الى أين؟ لا أملك جواباً أبداً.‏

اللبنانيون المشغولون بطرح السؤال، نود أن نعلمهم ما يلي: الجواب عن السؤالين، ليس من جوهر السؤالين، لقد أعطينا دولة، بموجب قرارات التقسيم، ووضع لها دستور، لم ننفذه، وقوانين لم نلتزم بها، ومؤسسات دسنا عليها، ومشاريع خصخصناها وإدارات أفسدناها، وتوجهات حرنا في كيفية مخالفتها.‏

نحن لم نستطع الجواب عن سؤال مثل: كيف ننفذ القانون، لأننا أشعنا المخالفة وكافأناها، وعن سؤال كيف نحد من الفساد، وكيف نهتم بالجامعات والمدارس ونخلق فرص عمل، نحن فشلنا في عبور الصفوف الابتدائية ويطرحون علينا أسئلة من المستوى الجامعي وما بعد الجامعي.‏

أي لبنان نريد؟‏

قبل الجرأة على طرح هذا السؤال، للمرة المليون، بعد المليون، علينا أن نجيب بكل تواضع، لماذا فشلنا في إقامة مؤسسة وطنية صغيرة عادية ناجحة، لماذا فشلنا في اقامة قضاء مستقل شفاف؟ لماذا فشلنا في بناء اقتصاد قوي، وألف لماذا صغيرة.‏

فإلى الذين يسألون أي لبنان نريد، نقول لهم، لقد أردتم لبنان كما اشتهيتم، فخربتموه، لا تحيلوا السؤال الينا لأن سؤالنا هو التالي:‏

ماذا فعلتم بلبنان؟‏

لماذا بعتموه دائماً؟‏

لماذا قتلتموه مراراً؟‏

لماذا أفرغتموه من مقومات وجوده.‏

قليل من الخرس ضروري، فاخرسوا.‏

نصري الصايغ‏

الانتقاد/العدد 1232 ـ 14 ايلول/سبتمبر 2007‏

2007-09-14