ارشيف من : 2005-2008

مساعٍ جدية ترتكز على مبادرة بري : فهل يغتنم فريق السلطة الفرصة أم يخربها كما عوّدنا؟

مساعٍ جدية ترتكز على مبادرة بري : فهل يغتنم فريق السلطة الفرصة أم يخربها كما عوّدنا؟

القيمة الدستورية، إلى أبعادٍ سياسية مفصلية بالنسبة للأزمة اللبنانية، من شأنها أن تضع لبنان برمته على مفترق طرق مصيري، وهذا ما يجعله اليوم محط اهتمام الجميع.‏

ويكفي أن نشير هنا إلى الموقع الذي يحتله الاستحقاق الرئاسي في الحسابات الأميركية الخاصة بلبنان، والتي يدور أدوات واشنطن في فلك جاذبيتها، إضافة إلى حساباتهم الخاصة.‏

إن الإمساك بموقع رئاسة الجمهورية من قبل واشنطن وأدواتها في لبنان، يتيح لها إكمال عملية الانقلاب، ووضع اليد على مفاصل السلطة في الدولة بالاتجاه الذي يسمح بتسريع وتقنين كل مستلزمات المشروع الأميركي، وتبيئة أهدافه في التربة اللبنانية.‏

ومن نافل القول، إن المحور الرئيس، والهدف المركزي للمشروع الأميركي في لبنان يتمثل بتحويله إلى جزء لا يتجزأ من منظومة أنظمة الاستسلام في المنطقة للكيان الاسرائيلي، في سياق استراتيجية تطبيع وجوده، وتحويله إلى مركز القلب بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، ومن نافل القول أيضاً، ان العائق الاستراتيجي الذي يحول دون اتمام هذه العملية هو وجود حركة المقاومة فيه، ولذا ما يهم واشنطن هو الاتيان برئيس سبق لدايفيد ولش أن حدد مواصفاته ووظيفته الأساسية بدقة، عندما قالها بشكل واضح، ان المطلوب رئيس لا يكون قريباً أو على صلة بحزب الله، وأن لا يعمل على التصدي للمشروع الأميركي في لبنان والمنطقة.‏

بهذا المعنى يكون المطلوب أميركياً الاتيان برئيس صدامي لا برئيس توافقي، لأن واشنطن تريد انجاز أهداف عدوان تموز من الباب الخلفي، أي من الباب اللبناني الداخلي، وعبر أحصنة طروادة الخاصة بها. هذا هو التوجه الاستراتيجي الاميركي الخاص بلبنان، لكن واشنطن تدرك اليوم أن توازنات القوة في الداخل اللبناني، كما في المنطقة، لا تميل الى مصلحة أدواتها، ولا الى مصلحتها، وهي اليوم أمام خيارين أساسيين: إما التعاطي بواقعية مع وقائع الأمور، وتستجيب لمتطلبات التسوية، وبالتالي التراجع ولو مرحلياً عن هدفها الاستراتيجي في لبنان، وإما أن تصرّ على هدفها مع اقتناعها باستحالة انجازه في هذه المرحلة، ما يعني ركوبها موجة التصعيد ودفع الأمور حتى النهاية.‏

وما يزيد في تعقيدات الموقف الأميركي، وصعوبة حسم إدارة بوش لخياراتها، ما يلي:‏

أولاً: تمايز الحسابات الأوروبية عموماً والفرنسية ـ الفاتيكانية تحديداً عن حساباتها، فباريس وروما لا تستطيعان المغامرة عبر الرهان على الفوضى، وذلك لاعتبارات تتعلق بهواجس كليهما والخاصة بالوضع المسيحي في لبنان، والمتعلقة بقلق باريس على قوات اليونيفل التي لها وجود أساسي فيه، وعلى القرار الدولي 1701.‏

فباريس ترى في وجوده العسكري في جنوب لبنان، وفي القرار 1701 مرتكزين لمصالحهما الاستراتيجية في لبنان والمنطقة، انطلاقاً من كون الجنوب ساحة ذات أبعاد محلية واقليمية.‏

من هنا، فإن باريس هي أميل الى تسوية تحمل في طياتها ضمانات تتعلق بدورها في الجنوب، كما تتعلق بالقرار 1701، ولذا، لن يكون مفاجئاً أن يطرح فريق السلطة هذه الشروط. بكلمة أخرى، إن باريس لا تمانع في تسوية مشروطة، جوهرها الاستراتيجي ابقاء لبنان في وضعية المعلق خصوصاً في ما يتعلق بما قد تحمله المنطقة من تداعيات.‏

ثانياً: ان الحسابات السعودية تبدو ظاهرياً على الأقل أنها أميل الى خيار التسوية، وذلك لأنها لا تريد أن تغامر أيضاً بمصالحها في لبنان التي تجسدها اليوم السنية ـ السياسية عبر الحريرية ـ السياسية، ولكونها أيضاً لا ترى مصلحة في انفتاح الأوضاع في لبنان على احتمالات صراعات فتنوية لن تقف انعكاساتها عند حدود لبنان.‏

ونظراً لكون الرياض هي اليوم محور نظام التسوية ومحل الرحى منه، وتعتبر نفسها في مواجهة غير مباشرة مع نظام المقاومة، فهي ليست بعيدة عن شروط باريس الآنفة بأبعادها المطلوبة.‏

ثالثاً: صحيح أن الرياض في حوار مستمر مع طهران، إلا أن هذا لا يعني أنها لا تنظر اليها كتهديد استراتيجي لاعتبارات متعددة، أبرزها تناقض الموقعين والدورين بالنسبة لقضايا الصراع في المنطقة سواء في العراق، أم في فلسطين، اضافة الى أن الرياض حاسمة ومتمسكة بمسألة تحالفها الدولي مع واشنطن، التي ترى في طهران اليوم العدو المركزي والاستراتيجي لمصالحها في المنطقة بأسرها.‏

ثالثاً: لا تبدو ادارة بوش اليوم في وضع مريح، فهي محاصرة في الداخل بضغوط الحزب الديمقراطي، ومحاصرة في الخارج بمأزقها بل فشلها الاستراتيجي في المنطقة، لا سيما في العراق.‏

واليوم أيضاً، تبدو خيارات ادارة بوش في العراق متراوحة بين أحد ثلاثة سيناريوهات:‏

أ ـ الانسحاب من العراق، وهذا يبدو مستبعداً نظراً لتداعيات هكذا خطوة، ونظراً لموقع العراق في حسابات المصالح الما بعد استراتيجية لواشنطن.‏

ب ـ تنظيم عملية تخفيض للقوات، إلا أن هذه الخطوة أيضاً ليست مطلقة، بمعنى أنها تبقى خاضعة لمقتضيات الواقع العراقي وتطوراته المتنوعة.‏

ج ـ القيام بعملية تخفيض للقوات، وإعادة تموضع داخل العراق، أي التجمع في قواعد، وترك الأمور الميدانية للقوى الأمنية العراقية، إلا أن هذه الخطوة بدورها حافلة بالأخطار الكبيرة والنوعية.‏

على صعيد آخر، لا تزال واشنطن تعمل على فتح كل الاحتمالات إزاء صراعها مع ايران، بدءاً من خيار التسوية ووصولاً الى خيار المواجهة.‏

كل ما تقدم يشير الى التالي:‏

ـ أن هناك فرصة جدية لإيجاد تسوية خاصة بالملف الرئاسي، وهذه التسوية ستتمحور جهودها حول اسم الرئيس من جهة والعناوين الخاصة باليونيفل والقرار 1701 تحديداً من جهة ثانية، والمقاومة والموقف الرسمي منها من جهة ثالثة، ولذا لا نستبعد منذ الآن، أن أي تسوية في حال قيامها، ستشكل العناوين الآنفة محاور البيان الوزاري لحكومة العهد الجديد، وهنا، يجب الالتفات أيضاً، الى ان التوافق لن يقف عند حدود اسم الرئيس، وانما أيضاً يجب ان يشمل اسم رئيس الحكومة المقبل.‏

بكلمة أخرى، ان التسوية سيكون هدفها الرئيس تثبيت نوع من الاستاتيكو القادر على صيانة الهدنة القائمة، وتوفير أساس سياسي للاستقرار، ويقود الى تحييد لبنان من أي صراعات مقبلة في المنطقة.‏

ـ لا تبدو واشنطن حتى الآن حاسمة في خياراتها، وإن كانت تمارس نوعاً من سياسة غض النظر، ولا تمانع من إعطاء فرصة للمسعى الأوروبي، فالاستاتيكو قد تفيد منه واشنطن في حال شن حرب اقليمية أخرى سواء اتجاه سوريا أم باتجاه ايران، الا اذا رأت واشنطن أن من الأفضل لها ابقاء لبنان ورقة في يدها في لعبتها الاقليمية وتحديداً في وجه سوريا وايران.‏

ـ بالرغم من أن الرياض لها مصلحة في التسوية، إلا أنها، حتى الآن، ما زالت بعيدة عن موجباتها الاقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بعلاقتها مع دمشق، حيث ما زالت هذه العلاقات مأزومة.‏

من هنا، فإنه بقدر ما تلوح في الأفق بارقة أمل فتحتها على نحو رئيس مبادرة الرئيس بري، إلا أن تحويل هذا الأمل الى واقع، وترجمته في توافق، ما زال دونه صعوبات أساسية، فإما أن يتم حلحلتها وتجاوزها، وإما أن تعود الأمور الى المربع الأول، بل الى ما هو أسوأ، والكرة بالكامل هي اليوم في ملعب فريق السلطة، فإما أن يغتنم الفرصة من أجل اخراج لبنان من المأزق، أو على الأقل منع الأمور من التدهور أكثر، وإما أن يمعن في قرارات تخريبية.‏

الانتقاد/العدد 1232 ـ 14 ايلول/سبتمبر 2007‏

2007-09-14