ارشيف من : 2005-2008
"اسرائيل" تحكي بصمتها ما منعت الرقابة العسكرية الافصاح عنه
كتب جهاد حيدر
ماذا يعني الصمت المطبق غير المسبوق الذي تنتهجه المؤسسة السياسية والامنية والاعلامية في الكيان الاسرائيلي ازاء العملية الجوية التي قام سلاح طيرانه في سوريا؟ ولماذا هذا الحذر والخوف الذي يظهر في التقارير الاعلامية، من ان يؤدي اعتداء كهذا الى تطورات امنية وعسكرية كبيرة؟ وما هي العلاقة بينه وبين ما تخطط له الولايات المتحدة للمنطقة؟
اللافت ان هذا الحدث أتى بعد سلسلة من رسائل التطمين التي وجهتها القيادة الإسرائيلية لسوريا، سواء على لسان رئيس الوزراء إيهود أولمرت أو وزير الدفاع إيهود باراك وغيرهما من المسؤولين الاسرائيليين، حيث لم يدع الاول مناسبة الا وأكد فيها أن "إسرائيل" لا تنوي شن حرب على سوريا. اما الآخر فقد افاد قبل ايام من هذا الحدث امام لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست، أن التوتر قد تبدد وحصل انفراج على المسار السوري الإسرائيلي. ويمكن القول ان الامر الاكثر اهمية في كل هذه الاجواء ان "اسرائيل" بادرت الى هذه العملية الجوية في ظل مرحلة بالغة من التوتر بين البلدين، وهي تعلم أنها قد تتحول الى شعلة لما هو اكبر.
ـ ولعله من الجوانب الاكثر بروزا ايضا في ما جرى حتى الآن، ان الطرف السوري هو من أعلن عن العملية الجوية الاسرائيلية، في حين ان الإسرائيلي التزم الصمت المطبق. وبدا واضحا ان هناك تعميما صارما شمل كل رجال السياسية والامن والاعلام والتأكيد مرارا ضرورة عدم الافصاح عن حقيقة ما جرى وخلفياته وأهدافه والموقف منه. حتى ان أولمرت وبقية المسؤولين تجاهلوا ما جرى في العديد من المناسبات، كما تجنب المعلقون السياسيون والأمنيون الاسرائيليون الافصاح بشكل مباشر عما جرى، وهم الذين عادة ما يتسابقون لتسجيل سبق صحافي هنا او هناك. ووصل الامر الى ان بعضهم افصح أنه يعلم ما جرى، ولكن لا يستطيع الكلام التزاما بتوجيهات الرقابة العسكرية.
ما تقدم يدفع حكما الى التساؤل: هل مجرد حصول عملية استطلاع او خرق جوي تستدعي كل هذا الاستنفار السياسي والاعلامي والامني؟ خاصة ان سلاح الجو الاسرائيلي سبق ان اعتدى في تشرين الاول عام 2003 على منطقة عين صاحب داخل الاراضي السورية، وادعى ايضا أن طائراته حلقت في العمق السوري وصولا إلى القصر الجمهوري السوري.. ولكن برغم كل ذلك لم نشهد في حينه ما نشهده الآن على المستوى الاعلامي والسياسي الاسرائيلي.
وحول هذا الأمر أوضح المعلق السياسي في صحيفة "هآرتس" (9/9/2007) ألوف بن بالقول: "يبدو أن الاعتبارات الامنية التي تحمل كلا من أولمرت وباراك على الصمت أهم في نظرهما من محاولة قطف ربح سياسي وإعلامي فوري".
ايضا هل القيام بعملية استطلاع أو خرق جوي فوق الاراضي السورية يستدعي هذه الدرجة من الترقب والتخوف و"عدم استبعاد المنظومة الأمنية إمكانية أن يحاول السوريون الرد على خرق الطائرات الإسرائيلية للأجواء السورية، بإطلاق صواريخ إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إضافة إلى إمكانية ان يرد السوريون في وقت لاحق، وربما عبر منظمات إرهابية متعاطفة معها". "يديعوت أحرونوت" 10/9/2007، برغم تشكيكهم في الوقت نفسه بأن تبادر سوريا الى شن حرب ردا على الخرق الاسرائيلي! وبلغ الأمر ان "الاصوات داخل المؤسسة الأمنية تتعالى على خلفية التوتر المتصاعد مع سوريا، للدعوة إلى توزيع الكمامات الواقية السليمة على السكان! لكن وزير الدفاع حتى الآن لا يؤيد ذلك". "معاريف" عامير ربابورت 10/9/2007.
وحول هذا الامر كشف المعلق السياسي في صحيفة "معاريف" (7/9/2007) بن كسبيت عن "توتر هائل يلف كل المحافل المرتبطة بالأجهزة الامنية والأذرع المختلفة وأصحاب القرار"، برغم انهم "يحاولون بث التهدئة تجاه الخارج.. اما داخل الغرفة فهناك فزع".
ويذهب كسبيت في كلامه إلى حد التلميح الى أن "المشكلة هي أن معظم المعطيات غير مكشوفة، والمخفي أعظم بكثير من المكشوف في هذه القضية. فكيف يمكن أن نشرح حقيقة أن إيهود أولمرت تحدث (الجمعة ليلة السبت) 45 دقيقة للأمة ولم يقل كلمة عن هذه القضية؟ كما ألغى أولمرت على نحو مفاجئ مقابلات العيد، وكأنهم يريدون من السوريين أن يفزعوا.. وكأنهم يحاولون نقل رسالة.. وما هي؟ ان سلاح الجو قادر على أن يجتاز سوريا في الليل دون عراقيل.. ربما!!
في كل الأحوال المؤكد انها عملية تشير التلميحات الاسرائيلية الى أنها من "الوزن الثقيل" وذات دلالات مهمة وتنطوي على إمكانية ان تتحول إلى شرارة لما هو أعظم.
ويكفي لتأكيد ما تقدم ما صدر على لسان رئيس الحكومة إيهود أولمرت وانتقدته جهات امنية، من تعبير عن تقديره "رجال الجيش وقادته الذين ينفذون عمليات شجاعة لا تتوقف لحظة واحدة"، وبرر الصمت المطبق على المنظومة الاسرائيلية بالقول: "هذه العملية بطبيعة الحال من نوع العمليات التي لا يمكن دائما الكشف عن أوراقها أمام الجمهور".
ومن جهة أخرى لا بد من التساؤل عن الموقف الاميركي وعلاقته بما جرى وبما يُعدّه للمنطقة؟
لا بد من التذكير بحقيقة أن الولايات المتحدة تحولت منذ احتلالها العراق عام 2003 إلى طرف إقليمي مباشر ولم تعد تكتفي بإدارة السياسات عن بعد، وإنما هي التي ترسم وتنفذ وتشرف على التنفيذ وتضع خطوطا حمر هناك وهناك.. ومن حينها أصبح الهامش الإسرائيلي في الاقدام على خطوات حساسة اقليميا، اكثر ضيقا مما كان عليه سابقا، خاصة ان أي تطورات سياسية أو عسكرية استراتيجية سيكون لها انعكاساتها الكبيرة على المخططات الأميركية المرسومة للمنطقة وعلى الجيش الاميركي في العراق.
من هنا يمكن القول انه سواء كان هدف الطائرات في سوريا أو من خلالها، الأمر المؤكد أن الذين اتخذوا القرار يعلمون مسبقا أن ما سيقدمون عليه في ظل التوتر القائم قد يؤدي إلى تدحرج التطورات باتجاه انفجار كبير، ومن هنا من غير المقبول الافتراض بأن الأميركي كان في موقع من غض النظر، أو ان "اسرائيل" عرضت عليه القيام بعمل ما ولم يقم بسوى الموافقة على ما جرى. بل ينبغي تأكيد أنه هو المقرر والمشرف، ومن هنا ليس امامنا سوى الربط بين المأزق الذي تواجهه الادارة الاميركية بدءاً من ايران مرورا بالعراق وصولا الى فلسطين ولبنان، وبين المبادرة في هذا التوقيت بالذات الى توجيه ضربة لسوريا.
ـــــــــــ
هل هناك مبرر للمخاطرة الاسرائيلية؟
يجب أن يكون لهذا العرض الجوي المدهش سبب يبرر قبل كل شيء المخاطرة بحياة الطيارين.. هذا السبب يجب أن يكون مبررا لدرجة المخاطرة بالتسبب بالحرارة التي ستتركها عملية التحليق هذه التي قد تؤدي الى اشعال الريش المنتشر على الحدود.
هذا الاستعراض الذي يأتي في ظل محاولات المستوى السياسي في "اسرائيل" بث رسالة بتخفيض التوتر مع السوريين طول الوقت، ليس منطقيا ولا مقبولا. سلاح الجو لا يتصرف بهذه الطريقة.. ذلك لأن كل عيون المنظومة الدفاعية السورية مُركزة عليه.
لماذا حلقوا الى هناك؟ ذلك لأنه ليس من المنطقي أن يكون أحد ما قد قرر فجأة أنه يرغب في التصوير ليلا في شمالي سوريا أو العراق أو مناطق أخرى. كما أن محاولة توضيح هذا الاستعراض الجوي على أنه "فحص للجهوزية" لجهاز الدفاع السوري في تلك المنطقة تحديدا على الحدود التركية، في الوقت الذي تنتشر فيه أغلبية الجيش السوري قبالتنا، ليس منطقيا.
لماذا التعتيم؟
"اسرائيل" الرسمية تختار وفقا لما يجري الآن سياسة التعتيم.. في بعض الاحيان يهدف هذا التعتيم الى إخفاء خطوات استراتيجية مهمة وإبقاء الخصم في وضع الجهل وعدم معرفة ما يحدث.. هذا التعتيم يرمي ايضا الى عدم التحرش بالعدو بصورة مفرطة حتى لا يكون مضطرا للرد، وتركه يتمتع من الوهم بأنه قد نجح مثلا بإزالة وإبعاد سلاح الجو من الأجواء السورية.
ولكن في بعض الاحيان يرمي التعتيم الى إخفاء قرارات اشكالية ومخاطر غير محسوبة ومغامرات. ولأننا لا نمتلك القدرة على تحديد ما يختفي وراء هذه الطلعة الجوية، لم يتبقَّ إلا أن نأمل إمكانية الاعتماد على الاشخاص الذين اتخذوا القرار والوثوق بهم.. وزير الدفاع باراك هو شخص مُجرب، ورئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي هو شخص اختصاصي متميز، أما رئيس الحكومة فربما أصبح أكثر نضجا بعد لجنة فينوغراد.
ايضا لم يتبقَّ إلا الأمل بأن لا يكون هذا الثلاثي قد بذل كل الجهود والخطورة العالية المذكورة فقط من اجل خطوة تكتيكية ما ولتحسين وضعنا غدا صباحا. هذه العملية مبررة فقط اذا كان هدفها مهما، أي عملية تكون ناجعة حتى بعد سنوات طويلة. التكتيك يجب أن يبقى لغزّة.. وسوريا ليست غزة.
"يديعوت أحرونوت" ـ أليكس فيشمان /7/9/2007
"عقب أخيل"
لم تكن هناك أي ذريعة عملياتية عاجلة وحيوية لتنفيذ طلعات لطائرات قتالية فوق الشمال السوري في منتصف الليل. من قرر اطلاق الطائرات وأمر الطيارين بأن ينفذوا انفجارات فوق صوتية كان على علم جيد بمستوى التوتر العالي، وفهم بشكل غير صحيح معنى التسلل الى الاراضي الاقليمية السورية وإمكانية ألا يكتفي السوريون برد تصريحي.. من السهل أن نخمن ماذا سيكون رد "اسرائيل" لو كانت طائرات قتالية سورية تسللت الى أراضيها ونفذت انفجارات فوق صوتية فوق حيفا.
يمكن فهم رغبة كبار مسؤولي الجيش الاسرائيلي في اصدار الاشارة للسوريين بأنه برغم فشل الجيش في الحرب في لبنان، عليهم أن يواصلوا الارتداع من "اسرائيل". التخوف المحق في الجيش الاسرائيلي هو ان الردع الاسرائيلي تضرر بشدة في أعقاب الحرب اياها، غير أن ترميم قدرة الردع للجيش الاسرائيلي لن تتحقق بجدار الصوت فوق اللاذقية.. فإذا ما اندلعت حرب فمن شبه المؤكد أن السوريين لن يحاولوا اطلاق طائرات قتالية لقصف أهداف في عمق الاراضي الاسرائيلية، وأغلب الظن لن يطلقوا ايضا ألوية من الدبابات لاحتلال هضبة الجولان. في هيئة الأركان السورية يعرفون جيدا انه في هاتين الحالتين من شأنهم ان يدفعوا ثمنا باهظا جدا. من المعقول بقدر اكبر بكثير ان يستخدم السوريون المقذوفات الصاروخية والصواريخ التي ليس لدى الجيش الاسرائيلي رد مناسب عليها. أحد دروس حرب لبنان التي أطلق في أثنائها مقاتلو حزب الله نحو 4 آلاف مقذوفة صاروخية نحو الجبهة الداخلية الاسرائيلية وشلوا الحياة في شمالي الدولة، هو أن هذا هو "عقب أخيل" لـ"اسرائيل"، وهو ما ينبغي استغلاله.
رؤوبين بدهتسور "هآرتس" /7/9/2007
الانتقاد/العدد 1232 ـ 14 ايلول/سبتمبر 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018